أهمية
المخطوطات في منطقة منحى نهر النيجر : الحديث عن المخطوطات حديث ذو شجون
، وربما أخذ وقتا ومساحة أكثر من المسموح به إن أردنا التعمق، والإحاطة، ولأن ذلك
غير ممكن فلنحاول الولوج إلى بيت القصيد مباشرة
ولا شك أننا عندما نتحدث عن الموروث الثقافي والفكري للمنطقة تأتي ثروة
المخطوطات في مقدمة حديثنا فهي التي تجسد أصالة وعراقة المنتوج الفكري والثقافي
لهذه المنطقة ، وهي في ذات الوقت تمثل الذاكرة العلمية ، والثقافية للإقليم برمته
، وبما أنها تمثل مجالاً شبه مجهول بالنسبة للكثيرين من أخوتنا في العالمين العربي
والإسلامي ، فاسمحوا لي أن أحاول في هذه العجالة أن ألقي نظرة خاطفة على المدن
والمراكز التي أحتضنتها أبتداءً ، وحافظت عليها عبر الأزمنة المديدة ، والتطرق إلى
بعض الأسباب والعوامل التي هيأتها للقيام بهذا الدور التنويري المميز في تلك
العصور الغابرة ... توجد مدن تاريخية مهمة في هذه
المنطقة المعروفة بمنحى أو عقفة نهر النيجر وقد لعبت دوراً تاريخياً مهما في تلقي
المؤثرات الفكرية والثقافية بين شمال وجنوب الصحراء الكبرى . وهذه
المدن أو المراكز هي : 1.
قاوه عاصمة امبراطورية الصنغاي والتي تأسست في القرن
الثاني الهجري. 2. وجني التي تأسست في
القرن الثالث الهجري ولكنها لم تصبح مدينة إسلامية إلا في القرن السادس الهجري. 3. ثم تمبكتو جوهرة
الصحراء التي تأسست في القرن الخامس الهجري الحادي
عشر الميلادي لكنها برغم تأخرها عن جارتيها قامت بأكثر الأدوار أهمية في ازدهار
الحياة العملية، والثقافية، والاقتصادية في كافة مناطق بلاد السودان ، ربما بسبب
وقوعها عند نقطة نهاية الطرق القادمة من بلاد المغرب الأقصى، البلد الأكثر تأثيراً
في هذه المناطق – ووقوعها شمال النهر على حافة الصحراء – هذه الصحراء المعطاءة
التي لم تشكل يوما عائقاً أو حاجزاً يحول دون انسياب ، وتدفق الخير والنماء ،
والبضائع ، ورواد الثقافة، والفكر، والدين ، بل كانت الطرق التي تشقها – منذ قرون
موغلة في القدم – من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، والآبار العذبة
المترامية على جنباتها - كانت خير معين لتدفق المؤثرات الفكرية ، والروحية ،
والاقتصادية من خلال تجارة القوافل ، والتجار الذين تملؤهم الجرأة وحب الاستكشاف ،
والبحث عن الربح الطيب ، وأكتشاف المجهول ، وقد تأسست محطات تجارية عند نهايات هذه
الطرق والدروب وأصبحت مناطق جذب
ارتادها الفقهاء ، و العلماء، والدعاة من كل البلاد الإسلامية ؛ من المشرق ،
والمغرب ، بل وحتى من بلاد الأندلس ثم ما لبثت أن تحولت إلى منارات علم وهدى ،
ومراكز للإشعاع الفكري ، والثقافي ، وشكلت نقاطا مضيئة في خريطة المنطقة ،
للازدهار الاقتصادي والتطور الإجتماعي المطرد لقرون عديدة . ومن
أسباب هذا الإنسياب :- ما وفره ملوك وحكام وسلاطين البلاد
من جو آمن، واحترام وتقدير خصوا به أهل العلم والمعرفة ، وخاصة في عهد سلاطين مالي
العظام أمثال منسي موسى (1321/1337م) صاحب أشهر رحلة حج في التاريخ ، ومنسي سليمان
(1314/1360م) ، كذلك فعل ملوك إمبراطورية الصنغاي، في عهد الاسكيات العظام أمثال
الأسيكا الحاج محمد توري ، الذي كان يتمتع بموهبة فائقة في التنظيم السياسي ،
وعاطفة دينية جياشة ، وما كان يبديه من احترام ، وتقدير فائقين للدين الإسلامي ،
والعلوم الشرعية ، وما تمتع به الفقهاء والعلماء وتجار الشمال من مكانة مرموقة في
بلاطه الأمر الذي ساهم بشكل ملحوظ في تطور الحركة العلمية والثقافية في عهده
الميمون . وتحدثت المصادر عن ازدهار التجارة
بين مدن العقفة وبلاد المغرب وأنها مرت بمراحل متصاعدة ، ابتداء بالتجارة الصامتة
التي ذكرها هيرودوت في العصور القديمة ، ثم مبادلة سلعة بأخرى ، ثم استخدام الودع ،
وقوالب الملح كعملة مقابل الذهب غير المصنع وغيره من سلع الجنوب ، ثم استخدمت
الصكوك في مرحلة لاحقة والتي لا تختلف كثيرا عن الشيكات المعروفة في وقتنا الحالي ،
الأمر الذي يؤكد أن المعاملات التجارية بين المنطقتين في ذلك الوقت كانت على درجة
عالية من التقدم ، ومواكبة العصر. وقد شكل الملح والذهب ، والخيل ،
والأسلحة ، والأقمشــة الحريرية والقطنية ، عاج الفيل وريش النعام ، وثمرة الكولا
، والبهارات ، والحلي المصنعة في حوض المتوسط ..الخ شكلت هذه السلع عصب التبادل التجاري بين ضفتي
الصحراء ، ولكن الكتب كانت أغلى هذه السلع جميعا إبان نهوض وأزدهار الثقافة
العربية في البلاد ، وأكثرها ربحا ، ولاحظ هذه الظاهرة الكثير من الرحالة الذين زاروا منطقة منحنى النهر، ودونها والمؤرخون
الذين كتبوا عنها. إذن فالحركة الفكرية ، والنهضة
العلمية والثقافية التي عرفتها المنطقة في القرون الوسطى ، كان من أسبابها ، ما
وفره الحكام ، والملوك ، من جو مفعم بالأمن ، والاستقرار إضافة إلى التقدير،
والاحترام الفائقين اللذين كان يحظى بهما الفقهاء ، والعلماء والدعاة – كما أسلفنا
– كل هذا دفع بالكثير من النخب المثقفة في المشرق ، والمغرب ، وبلاد الأندلس دفع
بهم إلى أن يتوجهوا نحو هذه البلاد التي نعمت برخاء اقتصادي زاهر ومستوى معيشة طيب
، فكان لهذه الظروف مجتمعة الفضل الأكبر في خلق جو علمي حر، وجذاب في مدن منحنى
النهر، فانتشرت المدارس ، والجامعات، فكانت جامعة سنكري ، وجنقربير، ومئات المدارس
، حتى أحصت بعض المصادر أكثر من مائة وثمانين مدرسة (180) في تمبكتو وحدها ، وذكر
المؤرخون وجود حوالي أربعة ألاف ومائتي فقيه (4200) وعالم في مدينة جني أثناء
إسلام مليكها في القرن السادس الهجري. وكان العلماء والفقهاء والصلحاء
يؤسسون المكتبات الخاصة في بيوتهم ، وفي دور التعليم، وفي الجوامع وفي أحيائهم
المتنقلة ، ويحملون كتبهم على ظهور الجمال
أثناء ظعنهم ، وكذلك فعل بعض الملوك والسلاطين حيث أسسوا مكتبات بقصورهم الملكية
التي زخرت بالكتب القيمة ، والمخطوطات النفيسة في شتى الفنون ، والمعارف، وتذكر
المصادر قصة الملك الأسكيا داوود الذي كان مولعاً بالكتب شغوفا باقتنائها ، فكانت
له مكتبة ضخمة تعج بالكتب النادرة والثمينة ، وكان له نساخ ينسخون له المخطوطات
النادرة ، وقد بلغ شغفه بالكتب أنه اشترى قاموسا بمبلغ ثمانين مثقالا منن الذهب
الخالص. ويذكر العلامة أحمد بابا التمبكتي في
هذا السياق: "أنا أقل عشيرتي كتبا نهب لي ألف وستمائة مجلد". وكان الشيخ العلامة سيد المختار الكبير
الكنتي يرسل مع كل قافلة تمر ( بحلته ) إلى بلاد المغرب يرسل معها من يشتري له
الكتب التي يحتاجها من هناك ، كما راسل الملوك ، والأمراء والعلماء ، ومريديه من
أتباع الطريقة القادرية في بلاد المغرب الأقصى لتزويده بما يطرأ عندهم من كتب ،
ومؤلفات ، بل وراسل الشيخ مرتضي الزبيدي لهذا الغرض وغيره ، وكذلك فعل أبناؤه ،
وأحفاده من بعده حيث نجد مراسلاتهم للملوك والسلاطين والأمراء في البلاد الإسلامية
وفي أغلبها نجد طلبات للكتب وغيرها مما يتبادل بين العلماء والأعيان. ويؤكد ما تزخر به المنطقة في الوقت
الحالي من مصادر مخطوطة أن المنطقة عرفت معظم المؤلفات المعروفة في البلاد
الإسلامية حينذاك ، وقد تحدث من كتبوا عن الحركة الفكرية في المنطقة ، عن ضخامة
الموروث الثقافي والفكري الذي تركه أعلام تلك الحقبة من العلماء وأنهم أثروا
الحياة العلمية ، والثقافية ، وأضافوا إضافات متميزة إلى المكتبة الإسلامية عموما
حيث ألفوا وكتبوا بكل ميادين العلم والمعرفة ، كالتفسير وعلوم القرآن والحديث وعلم
المصطلح ، والفقه ، وأصوله وفي علم البلاغة والبيان ، وفي التاريخ ، والتراجم ،
والسير والرحلات ، والجغرافيا ، وفي الطب ، والفلك ، والحساب ، والهندسة ،
والكيمياء ، وفي علوم التصوف والزهد والأسرار وغير ذلك. ومن الأسر التي اشتهرت بالعلم
والتأليف والإنتاج العلمي الغزير في المنطقة ، آل آقيت الصنهاجيين، وأهل السوق،
وإيقلاد ، والأسر الفلانية ، وآل بغايغو الونقاريين ، والأسر الأروانية ، كأسرة
الشيخ سيدي علي بن شعيب الحسني ، وأسرة سيدي أحمد أق آده ، وأهل بوجبيهة ، وأسر
الأنصار والكنتيين وغيرهم ...الخ . ومن هذه البيوتات العلمية بعض الأعلام
العظام الذين تركوا موروثا علميا ضخما تفخر به المكتبة الإسلامية، كالعلامة أحمد
بابا التمبكتي الذي ترك ما يصل إلى ستة وخمسين مؤلفاً (56)، والعلامة الشيخ سيد
المختار الكبير الكنتي الذي ترك هو أيضا أكثر من ثلاثمائة وأربعة عشر مؤلفاً ( 314
) ، وآلاف الرسائل والفتاوى والقصائد والتي ما زال أغلبها مخطوطا، بل ومجهولا عند
الكثيرين من المهتمين بالتراث العلمي في المنطقة. ويلاحظ هنا أن منطقة منحنى النهر
كانت بحق قبلة لطلاب العلم والمعرفة من شتى بقاع غرب أفريقيا، من الإمارات
الإسلامية التي قامت حول حوض نهر السنغال ، وبلاد الفوتا ، ومن إمارات الهوسا
والبرنو، وكانم. وقد لوحظ استقرار أغلب القادمين إلى
المنطقة من الشمال ، والجنوب ، ومن الشرق ، والغرب ، في البلاد وتصاهرهم مع السكان
المحليين فكونوا بذلك مجتمعا رائعا مثل أجمل أنواع التعاون بين الأجناس والشعوب ،
الأمر الذي ساهم بالنصيب الأكبر فيما عرفته البلاد من نهضة علمية وثقافية رائعة ،
ويقول آدم عبدالله الألوري في هذا السياق: " ولما ارتكز بمدينة تمبكتو -
يقصد العلم - رجع الناس إليها في طلب العلم ، إذ أنها أقرب إليهم من غيرها ،
فارتادوا ديار العلم بها حتى نبغ منهم عدد كبير من أهل العلم ، وعند ذلك اكتفوا
بما في بلادهم ، وصاروا لا يطلبون العلم إلى سواها ، ولا يحتاجون إلى غير مؤلفات
علمائها من الراسخين في العلم" . إذن فقد أنجبت المنطقة علماء وفقهاء
أغنوا العلوم الشرعية والأدبية بما أنتجته عقولهم النيرة من ثمرات علمية طيبة ،
كما ، ربوا أجيالا حملت على مدى قرون عديدة مشعل النهضة العلمية ، والثقافية ،
والحضارية في المنطقة حتى أصبحت اللغة العربية ، والثقافة العربية الإسلامية ، إلى
جانب الدين الاسلامي المظاهر الأساسية لوحدة المجتمع في سائر منطقة الصحراء ،
وبلاد السودان ، فأصبح الأهالي يستظلون بمظلة حضارية واحدة ، ولهم مرجعية عقائدية ،
وثقافية واحدة، مما ساهم في تجانس المجتمع واستقراره على مدى الفترة ما قبل
الإستعمار الأوروبي .. ولا شك أن ما تزخر به مكتباتنا
الأهلية ، وما تراكم في جنبات مراكزنا العامة والخاصة من وثائق نادرة ، ومخطوطات
قيمة ونفيسة أصدق دليل على ما أسلفنا ، ولا شك أن المخطوطات تمثل الجانب المهم من
التراث ، والجانب المعرض في نفس الوقت للضياع والتلف إن لم نكرس طاقاتنا ،
وإمكانياتنا لنجدتها ، ونبذل الوقت والجهد في البحث عنها وجمعها وصيانتها والحفاظ عليها ،
قبل أن تعصف بها عوامل الطبيعة من أمطار، وتصحر، وأرضة وسوء تخزين... الخ . ويلاحظ أن تقدم أي شعب مرهون بإيمانه
بعناصره الذاتية من خلال المحافظة على تراثه الفكري ، والثقافي ، والحضاري ، والنهوض
عند كل المجتمعات البشرية في الماضي والحاضر مرتبط بإحياء العناصر الحضارية الخلاقة
في ثقافة أي شعب أو مجموعة ، ونحن في هذه البقعة من العالم الإسلامي ، نفخر ونعتز
بتراث هائل من المخطوطات ورثناه عن أسلافنا في مختلف العلوم ، والمعارف ، يعد بحق
إضافة متميزة إلى ما أنتجه العقل البشري النير عبر مسيرته التاريخية المظفرة ،
ولكن الذي يؤسف له حقيقة ما لقيه هذا التراث من الإهمال ، والتهميش ، وعدم
الاكتراث من أهله ، وممن يفترض فيهم الاهتمام والعناية به ، حتى تنبه له أخيرا
مجموعة من الباحثين الأجانب فشرعوا في توعية الناس على أهميته ، ودعوا إلى تكوين
جمعيات أهلية للحفاظ عليه ، والنهوض ، والتعريف به بين الناس ..الخ . إن أهمية مخطوطات منطقة منحى نهر
النيجر ترجع إلى أن الدراسات والبحوث الميدانية أثبتت أن هذه المنطقة تعد من أغنى
المناطق في غرب القارة بالمخطوطات العربية القيمة ، وقد ذكر بعض المهتمين بهذا
الحقل أنها تتجاوز عشرات بل مئات آلاف الكتب المخطوطة وعشرات اللآف من الرسائل
والوثائق ، والعقود ، والصكوك القديمة ، ولا غرابة في ذلك فقد حصل تراكم هائل للكتب في
المنطقة لأسباب كثيرة ذكرنا أغلبها في بداية المقالة ، فقد تمتع الكتاب في نهضة
هذه المنطقة بالنصيب الأوفر من الإهتمام لدى العامة والخاصـــــــة . وأغلب هذه الثروة الضخمة من الكتب
المخطوطة الموجودة بين أيدينا الآن هي نتيجة لما تركه الأجداد للأولاد والأحفاد
مما تراكم في تلك الحقبة الزاهرة، وقد احتفظت الأسر العلمية بأغلب هذه الثروة
بالإضافة إلى مؤلفات العلماء والفقهاء المحليين الذين أثروا بدورهم المكتبات
المحلية ، والأفريقية بتأليف قيمة ومتميزة. وسنذكر في هذا السياق الأماكن التي
مازالت تحتضن المخطوطات العربية في المنطقة موضوع البحث ، وونستعرض بعض البيوتات
العلمية التي لها منتوج علمي ، ومازالت تحتفظ وتهتم بالكتاب المخطوط وتحتفظ
بالوثائق التاريخية النادرة .. لا شك أن المخطوطات والوثائق العربية في المنطقة
أكثر المنظم منها والمتيسر للباحثين ذلك الموجود في مركز أحمد بابا التمبكتي
للوثائق والمخطوطات ، والذي يضم الآلاف منها ، بالإضافة إلى مكتبات أهلية موجودة
بمدينة تمبكتو نفسها مثل مكتبة مما حيدره للمخطوطات ، ومكتبة آل محمود كعت ،
ومكتبة الزاوية الكنتية ، ومكتبة الشيخ محمد محمود الأرواني ومكتبة الأئمة في مسجد
جنقربير، ومسجد سنكري ، ومسجد سيدي يحي التادلي، وبعض المكتبات الأهلية في القرى
والمداشر التابعة لتمبكتو. هذه إذن نماذج لبعض المكتبات الأهلية
في المنطقة التي تزخر بآلاف الكتب المخطوطة ، والوثائق التاريخية النادرة وهذه
المخطوطات أغلبها محفوظ في صناديق من الحديد والخشب ، وهي طريقة سيئة تؤدي في
الغالب إلى إلحاق الأضرار الجسيمة بالمخطوط وبعضهم يحتفظ بمخطوطاته في أوعية
مصنوعة من جلود الأنعـــــــــام . تُجَلد هذه الكتب غالبا بنفس الجلود
المدبوغة مع إدخال بعض القطع من الورق المقوى – إن وجد – في عملية التجليد بقصد
توفير حماية أكثر للكتاب من مخاطر البلل والندى وما يمكن أن يتعرض له الكتاب من
مخاطر أثناء عمليات التخزين والنقل . بعض المخاطر المهددة لمخطوطات
المنطقة: وقد تعرضت هذه المخطوطات في الماضي
للنهب والسلب أثناء اجتياح المستعمر لبلادنا، وكذلك تعرضت فيما بعد للنهب والتهريب
المنظمين إلى الخارج على أيدي سماسرة المخطوطات النشطين جدا في المنطقة، وخاصة
أثناء كوارث الجفاف التي مرت بها البلاد في الأعوام: 72/73/1985م. هذا إضافة إلى عمليات الحرق والإتلاف
أثناء الحروب الأهلية التي عصفت ببلادنا في العقدين الآخرين من القرن الماضي ، زد
على ما تقدم المخاطر التلقيدية المتمثلة في حشرة الأرضة والحر والرطوبة، والأمطار
وسوء التخزين – الذي أشرنا إليه سابقا – وكوارث الجفاف ، والتصحر، والنقل المستمر
من مكان إلى آخر أثناء عملية الترحال عند الأقوام الرحل ، الأمر الذي يلحق الضرر
البالغ بالمخطوطات القديمة التي تحتاج دائما إلى الكثير من الرفق، والمحافظة وبرغم
كل ما سبق ذكره فإن هذه المنطقة كما لاحظنا ما زالت تزخر بمكيات ضخمة من المخطوطات
والوثائق التاريخية المهمة المكتوبة باللغة العربية. ونحن
منن خلال هذه المساحة البسيطة التي أتيحت لنا لعرض هذه النبذة المتواضعة ، ندعو
الأخوة المهتمين بالحفاظ على التراث العربي الإسلامي ، بل والتراث الإنساني عموما ،
ندعوهم أن يمدوا لنا يد العون ، ونضم جهدنا البسيط إلى جهودهم لكي ننقذ معا ما
يمكن إنقاذه من هذا الموروث الحضاري الثري ، المهدد بالضياع والتلف والفناء ...!!
خريطة موريتانيا
وفي هذه العجالة سنتناول قبسات مضيئة ، ومحطات فارقة من حيات الشيخ ، مستعينين ببعض ما كتبه عنه كتاب من قطره ، وكتاب من المغرب .
يذكره العلامة / محمد المنوني _ رحمه الله وطيب ثراه _ من خلال حديثه الشيق عن دور القادرية الكنتية في المنطقة _ الصحراء الكبرى وبلاد السودان _ ونداءاتها المستمرة إلى ضرورة الإستعداد لمقاومة التدخل الأجنبي الوشيك ، والذي بدأت بوادره تلوح في الأفق ، فقال عنه :
... وكان من بين الدعاة بالصحراء زمر من اتباع القادرية الكنتية ، ويتقدمهم الشيخ / سيديا بن المختار بن الهيبة الأبيري ، وهو الذي له الحظ الموفور ، واليد البيضاء في نشر الطريقة المختارية بالصحراء ، والسودان .
ويقول عنه كاتب مغربي آخر :
تحت عنوان : الإحياء ، والتجديد الصوفي في المغرب :
... الشيخ / سيديا الكبير ابن المختار .. تتلمذ على خيرة أعلام الزاوية _ يقصد القادرية _ من أمثال : الشيخ / المختار بن أحمد ، وابنه : محمد ، كما تتلمذ على شيوخ آخرين أمثال : عبد الجليل العلوي ، وحبيب الله بن القاضي الإيجيجبي .
ثم يضيف : أقام الشيخ / سيديا زاويته وسط قبيلته بموريتانيا .. وقد تحولت بفضل مجهوداته إلى مركز ثقافي ، وديني ، وتجاري ؛ مشع فألتفت حولها قبائل الصحراء ، إذ تحولت زاويته إلى حرم آمن ؛ فيجتمع عنده أحدهم بمن قتل أباه أو أخاه فيجلسهما على مائدة واحدة حتى يتصالحا .
وقد اشتهرت _ زاوية الشيخ سيديا كذلك _ بخدماتها الإجتماعية ، فضلا عن دورها العظيم في نشر الإشعاع العلمي وبث تعاليم وقيم الدين الحنيف بين كافة الأقوام والقبائل المحيطين بها.
وفي مطوية نشرتها عنه مؤسسة الشيخ / سيديا الثقافية، تقول :
ولد ونشأ_ الشيخ _ في منطقة الترارزة المعروفةأيضا بـ : منطقة القبلة في الغرب الأوسط من بلاد موريتانيا الحالية على بعد : 150 كلم إلى الشرق من العاصمة نواقشوط .
تلقى أولى معارفه في محيطه الأسري ، قبل أن يغادر في رحلة طلب العلم التي دامت 37 سنة منها 13 سنة في دراسة علوم اللغة والمنطق على العلامة / حرمة بن عبد الجليل العلوي ، وقضى أربعا يدرس الفقه على الشيخ / حبيب الله بن الشيخ / القاضي الإجيجبي ، ثم توجه إلى مدينة تيشيت حيث أمضى سنة في المطالعة في مكتباتها العريقة ، وبعد ذلك انطلق إلى الشيخ / سيد المختار الكنتي ، في منطقة أزواد شمال شرق جمهورية مالي حاليا ، وأمضى هناك : 16 عاما مع الشيخ / سيد المختار ، وابنه الشيخ / سيدي محمد ، وعاد إلى مسقط رأسه بعد هذه النجعة الطويلة بعلم وافر ، سنة : 1827 م، وأسس زاويته العظيمة الشأن ، والذائعة الصيت في عموم المنطقة .
كرس الشيخ / سيديا معارفه الواسعة ونفوذه الروحي ، والسياسي الكبير لإصلاح أوضاع مجتمعه ، فأصبح حكما في المنطقة ووجها من أبرز وجوهها العلمية والسياسية في القرن 19 م الميلادي ، حتى قال عنه صاحب كتاب الوسيط :
إنه العلم الذي رفع على أهل قطره واستظل به أهل دهره ، وماذا أقول في رجل اتفق على أنه لم يظهر مثله في تلك البلاد .
وفي علاقاته الخارجية :
اتصل بملك المغرب ؛ عبدالرحمن بن هشام _ 1822 _ 1859 م ، الذي أكرمه واستبقاه معه نحو سنة كاملة ، وعاد من المغرب بمكتبة عظيمة .
مؤلفاته :
ترك الشيخ / سيديا الكبير أزيد من 50 مؤلفا في مختلف معارف عصره إضافة إلى عدد كبير من الرسائل والفتاوي ، وديوان شعر مجموع ومحقق .
دوره في التصدي للتدخل الأجنبي :
عمل الشيخ على التصدي لمحاولات التغلغل والتوسع الإستعماري الفرنسي في البلاد ، وعقد في يناير 1856 م ، مؤتمرا لهذه الغاية عرف بـ : مؤتمر تندوجه _ 75 كلم شمال أبي تيليميت _ وهي محل إقامة الشيخ ، وحضر المؤتمر :
الأمير / محمد لحبيب ، أمير الترارزة ، والأمير / محمد سيدي ، أمير البراكنة ، والأمير / أحمد بن عيده ، أمير آدرار ، ومبعوث عن الأمير / بكار بن أسويد أحمد ، أمير إدوعيش ، حيث استكمل أميرا : الترارزة ، وآدرار المصالحة بينهما هناك بعد خلاف استمر عدة سنوات .
ويعتبر هذا المؤتمر الأول والأكبر من نوعه الذي عرفته البلاد بهدف مواجهة الإستعمار الفرنسي الذي لم تنجح محاولاته المتكررة للسيطرة عليها حتى عام : 1905 م.
روضة الشيخ سيد المختار الكنتي العقبي الفهري
ويقول الشيخ / سيديا بن المختار بن الهيبه الأبيري - طيب الله ثراه - ( 1780 - 1869 م ) في رثاء الشيخ / سيد المختار الكبير الكنتي ( 1730 - 1811 م ) :
يا روضة ينزوي عن زورها البوسُ *** وجارُها بجوار اللــه محـروسُ
لا يَخشـى من دواهي الدهر داهمة *** ولا تحل بواديــه الأباليــــــــــسُ
ضـــــمت نوافحَ يُمنٍ ربما بعثت *** من الحِجَا ما أماتته الروامـــــــيس
ومُشْرقاً ساطــع الأنوار قد قُبست *** لمن دجا حاله منه المقابـيـــــــــس
يُشفـى من المرض المعيي تطببـه *** من زارها ودليل الصدق محـسوس
كفى بإغراء من حـلىَ مُعطِلـــها *** وراح عنها به رجس وتدنيــــــــــس
على زيارتها مولى خلافتــــــه *** إذ جاء يَنْشُُدُه والليلُ ملبــــــــــــــوس
صفحتان جميلتان من كنز مخطوطات الصحراء .. شمال مــالي .
وهناك تلقى الشيخ تعليمه الأولي على والدته تلك المرأة الجكنية الفاضلة المربية ذات العلم الجم والخلق الكريم ، ثم أكمل تعليمه العالي - كعادة ابناء البيوتات العلمية من أهل المنطقة في تلك الأزمنة - في زاوية والده الشيخ / سيد محمد الكنتي الكبير ذات الشهرة والصيت .
وعندما تقدمت به السن ورأى أنه انجز رسالته الدعوية والتعليمية في تلك المنطقة ، أراد أن يختم مسيرته تلك بالقيام برحلة الحج إلى البقاع الطاهرة ، وزيارة روضة الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - فترك أهله وبنيه - الثلاثة الذين سيصبحون فيما بعد أجداد سائر العشائر الكنتية ( سيد محمد الكنتي الصغير .. وسيد بوبكر الحاج .. وسيد عمر الشيخ ) - هناك واتجه مع بعض تلامذته ومريديه صوب الديار المقدسة .
فلم يكن أمام الشيخ من مفر تحت هذا الإلحاح والضغط إلا الرضى والقبول بالبقاء بين هؤلاء الناس الطيبين الذين غمروه بكل هذا الحب ، والتقدير ، والمودة ، فنصب خيمته بين ظهرانيهم ، وكرس جل وقته في تعليمهم مباديء دينهم ، واصلاح أمورهم الدينية والدنيويه فقد أصبح بالفعل هو ، وزاويته ، وتلامذته ، ومريديه محور حياة أهل ولاته الحاضر منهم والبادي .
وكانت ولاته - حينذاك - رغم قدم الإسلام فيها إلا أن عادات أهل البلاد الأول فيها كانت غالبة على معظم الحياة الأجتماعية في المدينة ، ( وقد تحدث عن تلك العادات باستفاضة واستهجان كبار الرحالة العرب الذين زاروها أو كتبوا عنها قبل استقرار الشيخ فيها ) وخاصة عادة الإختلاط بين الجنسين ، وسفور النساء ، واستطاع الشيخ معالجة هذه الظاهرة برفق واجتثاثها من جذورها ، وبين مضارها على المجتمع ومدى مخالفتحها الصريحة لمباديء الدين الإسلامي القويم ، وأمر النساء بالحجاب الشرعي وأمتثلن لأمره ، وأمر ألا يدخل أحد بيت غيره إلا بالضوابط الشرعية المعروفة وأمتثل لأمره ، واستقام أكثر أهل المدينة على السنة المشرفة ومباديء الدين الحنيف .
وهنا اسمحوا لي أن أسرد نص بعض وصايا الشيخ / سيدي أحمد البكاي بودمعة لبنيــــه ومن يسير على دعوته المباركة كما وردت في كتاب الإرشاد لحفيده الشيخ / سيد المختار الكبير الكنتي ( منقول من كتاب : النفحات البهية في أفنان الشجرة الكنتية ، للأستاذ / عقباوي عزيزي بوبكر ) مع بعض التصرف لتوضيح منهج مدرسة الشيخ في الدعوة إلى الإسلام والتربية والتعليم :
* يا بني عليكم بتقوى الله ؛ فإنها سبب كل فتح ، والسُلم الذي يرتقى به إلى كل نجاح .
* وعليكم بالفرار بدينكم ؛ فإن هذا الزمان لا يسلم فيه لذي دين دينه ، إلا من فر بدينه من قرية إلى قرية ... واقتدوا في ذلك بقول نبيكم صلى الله عليه وسلم : يوشك أن يكون خير مال المسلم غنيمة يتتبع بها شعب الجبال ، ومواقع القطر ...يفر بدينه من الفتن ..
* واجتهدوا في طلب العلم ؛ فإن عبادة بلا علم تكون يوم القيامة هباء منثورا ..
* ولا تفارقوا جماعة العلم فتفارقوا دينكم وأنتم لا تشعرون ..
* واعلموا يا بني أن من قنع بما قسم الله له مات غنيا ، ومن مد عينيه إلى ما في أيدي الناس مات فقيرا .. قال تعالى : (( ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى )) ، فإن من لم يرض بما قسم الله له فقد اتهم الله - سبحانه وتعالى - في قضائه .
* ولا تزدروا الرجال فتزدريكم الرجال
* وإياكم والدخول فيما لا يعنيكم فتذلوا بذلك ..
* واتبعوا الحـــق لكم أو عليكـــم ..
* وكونوا لكتاب الله تالين ..
* وإياكم والنميمة ؛ فإنها تورث الشحناء بين الرجال ...
* وإياكم والتعرض لعيوب الناس ...
* يا بني إن طلبتم الجود فعليكم بمعادنه ؛
* وإذا زرتم فزوروا الأخيار ، ولا تزوروا الفجار؛ فإن زيارتهم لا خـــير فيها ..
* وعليكم بالحرث في المعادن الطيبة ؛
* واعلموا يا بني أن سلفكم كانوا لا ينكحون إلا صالح كل قوم وخير كل قبيلة ، فإن الشاعر يقول :
فأول خبث الماء خبث ترابه *** وأول خبث القوم خبث المناكح ....
* واعلموا يا بني إن العرق نزاع وأن المرأة تلد :
* وأوصاهم كذلك بحفظ العهد ، وشدد عليه فقال لهم :
ومن الوصايا التي تنسب للشيخ / سيد أحمد البكاي بودمعة كذلك ..:
* يا بني اتقوا ثلاثة أمور :
1 - الجمــــل في صولته ؛ فإنه إذا صال حطم ما تعرض له ..
2 - والسيــــل في هيجته ؛ فإنه إذا هاج أغرق ما تعرض لهيجته ..
3 - والعامــــة في غوغائها ؛ فإن من تعرض لها في فسادها وغوغائها فتنته ، وأهلكته ..
وختـــم الشيخ وصاياه بقوله :
واحفظوا وصيتي فإنكم إن حفظتموها عشتم سعداء .. ومتم شهـــــداء ...
وفي الختام رحمة الله على الشيخ الوالد ... وهل منا من مازال يسترشد بهذه الوصايا ، ويضعها في برنامج حياته ، ومعاملاته مع الآخرين ...؟!! مجرد تسائل !!!!
خريطة جمهــــــورية مــــالي ؛ وطني الحبيب .. وطن الشمس .. وعشاق الحرية والإنعتاق ..
هذه هي الصورة التي حاول كتبة تقارير المستعمر الفرنسي أن يرسموها عن المناضلين الذين أختاروا مقاومة الغزاة المعتدين ، وسأحاول نقل الصورة كما كتبت في محاضرهم ، وحفظت في أرشيفهم ؛ انظر كتاب : كنته الشرقيون ... تأليف : كاتب التقارير والمستشرق الفرنسي : بــول مـارتي ، ترجمة :
وإليكم النص مع حذف بعض العبارات الجارحة :
أما سيدي أق بالله ، وهو اسمه الذي اشتهر به لدى طوارق الشرق ، ولدى الزنوج ، كما يعرف أيضا باسم : سيدي محمد الكنتي من جانب العرب الشرقيين ، وذلك هو الصحيح ، لأنه :
سيدي محمد بن سيد المختار ( الفردي عرف بتلك الكنية لأنه لم ينجب إلا ابنا واحدا هو : سيدي محمد الكنتي موضوع حديثنا ) ابن سيدي حيب الله - صاحب الخلوة - ابن الشيخ / سيد المختار الكبير .
وقد ولد حوالي العام 1840 م في تمبكتو ، وأمضى شطرا من شبابه فيها وفي ضواحيها ، كما أتم فيها معظم دراساته .
وقد انصرف عن العبادة والدراسة في وقت مبكر ، واتجه نحو لهوٍ غير برئ ، فبالإتفاق مع الطوارق كان يسلب القوارب في ضواحي قورما ، ومن ثم اشترك بقسط وافر في كل الأحداث السياسية في الشرق من العام 1894 م حتى أيامنا .
ومنذ الأيام الأولى من احتلالنا البلاد أظهر تجاهنا العداوة ، وذلك بتجنيد الأنصار الطوارق في محاولته تحريضهم ضد النقيب البحري : بواته الذي وصل للتو إلى تمبكتو ، وبعد ما اشترك في الإعتداء على حامل الراية العربية ( اسم زورق حربي للغزاة الفرنسيين ) .
وبعد قليل من هزيمة تكوبا ( معركة شرسة بين الفرنسيين والمقاومة تكبد فيها الغزاة خسائر كبيرة وقتل فيها الكثير من ضباطهم وجنودهم ) هرع إلى قبيلة : تنقر إيقيف ، وانتزع من هؤلاء الطوارق أسلحتهم النارية وذخيرتها .... وأرسلها إلى أدرار إيفوغاس لأبناء عمومته كنته ....
وبين 1894 - 1896 م كان هؤلاء يشتركون في كل الغزوات الموجهة من كنته أو من كل انتصر ضد القبائل الطائعة أو التي كانت على علاقة بسيطة معنا .
وفي كل المعارك التي خضناها ضد المتمردين على الحكم الفرنسي في المنطقة فقد لاقيناه ، أولا في ( تيوكي ) حيث لم يكن يكف عن غزو الأصدقاء و الأعداء ، ثم نادى بالجهاد بين البرابيش ... ، ثم حاول أن يوجههم إلى تمبكتو ، وفي أبريل من عام 1895 م انقض وهو على رأس قطاع الطرق من إيلمدن ( تجني ) على فخذ من الزوايا من أهل سيدي علي - والذين كانت خطيئتهم الوحيدة أنهم يعيشون في وئام مع الفرنسيين - فنهبه تماما .
وقد كان حاضرا في معركة أكنكان - في مارس 1896 م - مع ولده البكر : (( سيد أحمد البكاي )) الذي قتل ( استشهد ) على أيدي أنصار الفرنسيين ..... وجرى عرض رأســــــه في ســــــــــــــوق تمبكتو .
وقد أعلنت كنته عن خضوعها الرسمي في مايو ويونيو 1899 م ، ولكن سيدي محمد وعابدين وبعض الزعماء الآخرين رغبوا في البقاء خارج المفاوضات .
وقد ظهر للأول والثاني أن أملهما قد خاب لأن زمام قيادة القبيلة قد أفلت من أيديهما ( !!! ) فراحا يبحثان عن طريق أخرى لإرضاء طموحاتهما ( يقصد سيد محمد والشيخ / عابدين المجاهد الكبير الذي جاهد وقاوم الغزاة على أكثر من جبهة في المنطقة ؛ فالإضافة إلى قتاله للفرنسيين في بلده الأول الذي يعرف الآن بمنطقة أزواد ، فقد قاتلهم في الجزائر ، وقاتل مع المقاومة التي قادها الشهيد عمر المختار في ليبيا ، وظل يقاتل الفرنسيين انطلاقا من الجنوب المغربي حتى بداية الحرب العالمية الثانية .. )
أما سيدي أق بالله أي (( سيدي محمد الكنتي ابن سيد المختار الفردي )) فقد لجأ إلى آمنوكال (( زعيم )) قبيلة إيلمدن وأصبح إمامه ومستشاره ووزيره في القضايا الخارجية .
وكان مقامه العادي حينذاك إما في : ونــي ، وإما في تونضبي ... على النهر من جانب ضفة الهوسا ( الضفة اليسرى ) .
وكان يمارس هناك تجارة الملح من تاودني ، وتجارة الإبل والماشية في كل مكان تقريبا ،.
وقد ضم من حوله رجال قبيلة شمنامس المتمردين ، وكان رجاله يرتكبون سرقات واغتيالات في كل قرى النهر .
وفي شهر مارس 1902 م قام ابنه : عابدين بنهب جماعة من تايتوق الذين نزلوا لتقديم خضوعهم في مدينة قاوه .
وبعد قليل عندما جهزت كنته غزوا ضد قبيلة إيلمدن قام سيدي بإعلام هؤلاء بالأمر فأخذوا أهبتهم وداهموا كنته ، ولم تقدر النجاة لهؤلاء بعد أن فجئوا إلا بعد استخدامهم الأسلحة النارية التي سبق أن أعرناهم إياها .
وفي نهاية العام 1902 م وفي الوقت الذي كنا نجهز فيه رتلا متجها نحو أدرار إيفوغاس اضطررنا لتجنب غدر مماثل إلى اعتقال سيدي محمد الفردي في تمبكتو لبعض الوقت وكذلك اعتقال ولده : عابدين في بوريم .
وفي 1903 م تلقت كنته أمرا بالإنتقال إلى ضفة النهر اليمنى أي إلى نحو الجنوب ، وقد أظهر سيدي محمد الفردي تجاه ذلك معارضة سلبية ، وظهر بالتالي أنه هو الرابح وعلى الصواب .
فقد أعلن أنه مريض وحصل على إذن من حمادي ( .... ) على الترخيص بالبقاء على الضفة اليسرى ، وبذلك برهن للبدو بأنه على تفاهم مع الفرنسيين ، وأنه سيكسب منهم أكثر بكثير مما حصل عليه منهم زعيم القبيلة حمادي .
وطلب فهرون الأمان في يونيو 1903 م ولكن سيدي أق بالله (( سيدي محمد الفردي )) - وهو وسيط عجيب للسلام - انقض على مخيماته ونهبها وذلك في الوقت الذي كان فيه فهرون يجمع غراماته الحربية .
وثابر سيدي محمد الفردي حتى يبرهن على عداوته لنا وذلك بمنحه الملجأ باستمرار للشمنامس ، وهم الوحيدون من قبيلة إيلمدن الذين لم يعلنوا عن خضوعهم ، وعندما ندب ضد هذا الفخذ كنته الشمال ، ولكن هؤلاء أخطأوا إذ انقضوا على كل أهارا وهو الفخذ الرئيسي من إيموشاغ إيلمدن ونهبهم بقضهم وقضيضهم .واضطر الشمنامس مع ذلك للخضوع بعد وقت قليل دون أن يسايرهم سيدي محمد مع ذلك في هذا الإتجاه .
وفي عام 1904 م قامت جماعة تدبوكه ، وهم فخذ من تلاميذ سيدي بنهب قرية لو كوتورو ( قاوه ) وتغاضى سيدي عن ذلك بكل سكينة .
وعانى حمادي ( شيخ قبيلة كنته حينذاك ) كل البلاء حتى يقدم تعويضات ويدفع دية الدم ، واضطر أخيرا إلى تسديد ذلك من جيبه لعجزه عن التوصل إلى نتيجة كاملة مع هذا الشيخ العجوز ، وحيائه من إبلاغ السلطة الفرنسية بسلوكه .
وعلى أثر اضطرابات المنطقة واغتيال الملازم / فابر ، حيث كنا منهمكين في تجهيز رتل وطلب أعوان من حمادي أنذر سيدي محمد ، حمادي بأنه إذا انطلق في رتل مع النصارى فإن كل جماله ستفنى وأنه سيهلك حرقا بالنار ، وناشد مختلف زعماء المخيم برفض تقديم الحيوانات المطلوبة ، وحث قرى كويروبورو ( سكان قرى النهر ) في الوادي على عدم تقديم معونتهم لعبور النهر ، والإمتناع عن ممارسة مختلف النقليات النهرية .
وفي عام 1906 م وعلى أثر حوادث موريتانيا المؤسفة جرب سيدي محمد الفردي دعايته المفسدة على البرابيش ، ولم يحصل لنفسه بعد نصائحه الخبيثة من مهمد ولد دحمان زعيمهم ( شيخ فخذ أولاد سليمان من عرب البرابيش ) على أكثر من أنه لم ينضم للمتمردين ، ونتيجة لذلك تم اعتقاله في تمبكتو ، ثم أطلق سراحه مع أمر بالعودة لمنازله والبقاء هادئا تحت أوامر حمادي زعيم القبيلة .
ولكن شيئا من ذلك لم يحدث فبعد بضعة أشهر علمنا بوجوده في تمبكتو حيث كان يتباهى بأنه على درجة من القوة تجعله يمكث في المدينة رغم أنف الفرنسيين ونتيجة لهذا الموقف تعرض لعقاب تأديبي وعاد بعدئذ إلى مخيماته ، فأقام عندئذ قرب بوريم ، وحصل من رئيس المركز العسكري على ترخيص مكتوب بالبقاء في المنطقة المجاورة مبرهنا بذلك على أنه انحاز إلى جانب الفرنسيين بكل معنى الكلمة ، ولكنه كان يستغل من ناحية أخرى الورقة التي يحملها ليقنع الناس بأنه مستقل تماما عن حمادي ، ومكنه ذلك من الحصول على الهدايا من الطوارق .
وبعد كثير من المفاوضات اضطر هذا الزعيم أخيرا لطلب أمان صادق من الفرنسيين في عام 1908 م .
وتوفي في شهر أغشت 8 / 1909 م ، وقد ترك في المنطقة شهرته بالدهاء السياسي العظيم ، فقد كان رجلا ذكيا عميق الثقافة ، ومبجلا كشيخ ، فقد كان على علاقة مستمرة مع كل القبائل الموريتانية والطوارق ، وحتى مع السلطان عبد العزيز ......
الرسالة القشيرية
ماهي حقيقة الوقت عند الصوفية ؟
حقيقة الوقت عند أهل التحقيق حادث متوهم ( أي يكون وقوعه في المستقبل ) علق حصوله على حادث متحقق
( المعنى : حادث متحقق عُلق عليه حصول حادث متوهم ) .
فالحادث المتحقق وقت للحادث المتوهم ، مثلا تقول : آتيك رأس الشهر ، فالإتيان متوهم ورأس الشهر حادث متحقق ، فرأس الشهر هو وقت الإتيان .
يقول المصنف - رحمه الله - : سمعت الأستاذ ( يعني الدقاق رحمه الله ) يقول : الوقت ما أنت فيه ....
فإن كنت بالدنيا فوقتك الدنيا ، وإن كنت بالعقبى فوقتك العقبى ، وإن كنت بالسرور فوقتك السرور ، وإن كنت بالحزن فوقتك لحزن ..
يريد بهذا أن الوقت ما كان هو الغالب على الإنسان ...
وقد يعنون بالوقت : ما هو فيه من الزمان ، فقد قال بعضهم : الوقت ما بين الزمانين ؛ أي ما بين الماضي والمستقبل .
ويقولون : الصوفي ابن وقته ... يريدون بذلك أنه مشتغل بما هو أولى به في الحال .. قائم بما هو مطالب به في الحين ..
وقيل الفقير .. لا يهمه ماضي وقته وآتيــه ، بل يهمه الذي هو فيـــه .
وقيل : الإشتغال بفوات وقت ماضي تضييع وقت ثان .
وقد يعني الصوفية بالوقت : ما يصادفهم من تصريف الحق لهــم دون ما يختــارون لأنفسهم ..
ويقولون : فلان بحكم الوقت .. أي أنه مستسلم لما يبدو له من الغيب ، من غير أختيار له ، وهو فيما ليس لله تعالى فيه أمر أو أقتضاء بحق شرع ...
وقالوا : الوقت سيف ، أي : كما أن السيف قاطع فالوقت بما يمضيه الحق ، ويجريه غالب ..
وكالسيف إن لا ينته لان مســـه // وحداه إن خاشنته خشنان .
يقول الدقاق - رحمه الله - : الوقت مبرد يسحقك ولا يمحقك .. يعني : لو محاك وأفناك لتخلصت حين فنيت ، ولكنه يأخذ منك ، ولا يمحوك بالكلية ..
ويقولون : والكيس - الفطن حسن الفهم - من كان يحكم وقته وإن كان وقته الصحو فقيامه بالشريعة ، وإن كان وقته المحو فالغالب عليه أحكام الحقيقة ،
ملحوظة : الموضوع منقول من نص الرسالة مع تصرف بسيط .. ( تنبيـــه ) ..
الباحث : عبدالله أحمد جاكيتي
نقشت هذه الرسالة مؤخرا ( ديسمبر 2008 م ) في : كلية الدعوة الإسلامية ، قسم الدراسات العليا ، شعبة اللغة العربية وآدابها .. التابعة لجمعية الدعوة الإسلامية العالمية ، بالجماهيرية العربية الليبية ، بطرابلس .
وتحت إشراف الأستاذ الدكتور / هاشــــم المهــدي الشريـــف .
وقد جاءت دراسة الباحث / عبدالله أحمد جاكيتي ، مكونة من : مقدمة .. وتمهيد .. وثلاثة فصول .
وقد تركزت المقدمة - كالعادة - على أهمية الموضوع ، وأسباب أختياره ، وأسئلة البحث ، وحدوده ، والدراسات السابقة عليه في الموضوع ، والمنهج الذي اتبعه في بحثه ، ثم ذكر بعض الصعوبات التي واجهته أثناء إعداد الرسالة ، ثم تناول هيكلية البحث .
وفي التمهيد عرف الباحث المقصود بمصطلح : السودان الغربي تاريخيا وجغرافيا عند المؤرخين والجغرافيين العرب قديما وحديثا ، وتحدث فيه عن الحياة الإجتماعية .. والإقتصادية .. والسياسية .. والثقافية للمنطقة .. وأشار إلى مظاهر الثقافة العربية التي سادت في المنطقة في فترة بحثه ..
وفي الفصل الأول :
وخصص الباحث الفصل الثالث والأخير :
وفي التمهيد :
وفي المبحث الأول :
وفي المبحث الثاني :
وخصص المبحث الثالث :
وفي المبحث الرابع :
وفي الخاتمة :
وتحدث عن الوسط الثقافي والديني الذي تربى فيه الشيخ ودوره في تكوين شخصيته العلمية الثقافية والدينية .
ثم عرج على الأحياء .. والقرى .. والمداشر التي درس فيها الشيخ وحصل فيها معارفه ، وذكر أؤلئك النفر الأفذاذ الذين تخرجوا من مدرسة الشيخ العلمية ، والأثر الطيب الذي تركوه في بيئاتهم ومواطنهم لاحقا .
ثم استعرض التراث العلمي الهائل الذي تركها الشيخ في مختلف ميدان العلم والمعرفة .
وذكر جهود الشيخ في الدعوة ، والإرشاد ، والإصلاح الإجمتاعي وغيره ... الخ .
ونحن هنا - بدورنا - بل وكل محبي .. ومريدي الشيخ / سيد المختار في كل أرجاء العالم نبارك للباحث / عبد الله ... وندعو المولى - عز وجل - أن يوفقه في حياته العلمية والعملية ، وأن يكون النجاح والتوفيق حليفيه حيثما حل وأرتحل، وندعوا الله - تبارك وتعالى - أن يجعل هذا الجهد العلمي الطيب في ميزان حسناته ، ونهنيء والده الفاضل الشيخ / أحمد جاكيتي .. ونقول له : هذا الشبل من ذاك الأسد ، ورحم الله السلف وبارك في الخلف .
كتاب مخطوط قديم بمركز الشيخ .
صورة مسجد جني التاريخي .
ويعتبر مسجــــدها المميز أكبر بناء قائم من الطين اللبن في العالم ، وقد تأسس هذا المسجد بداية منذ القرن الثالث عشر الميلادي ، بناه ملك طيــــب كان يحكم هذه المنطقة في مكان قصره ، بعد أن شرح الله صدره للإسلام ، واسلم بإسلامه أغلب رعيته ودخلوا في دين الله أفواجا .
ويعتبر هذا المسجد بكل المقاييس تحفة معمارية فنية مميزة قائمة بذاتها ، وعليه فقد وضعته منظمة : اليونيسكو ، في عام 1988م في سجل التراث الثقافي العالمي ، كأثر مميز ينبغي المحافظة عليه ، حيث أنه يمثل قيما معمارية فنية راقية جديرة بالتأويل والتفسير ، وتساهم في إثراء المشهد المعماري العالمي ، وتعتبر أشكاله ، وتصاميمه المعمارية إضافة مميزة ، ومنفردة للتراث المعماري الإنساني .
وقد حافظ أهل هذه المدينة الأصيلة على بناء مسجدهم الجميل ، بإقامة احتفال سنوي في كل عام يشارك فيه كل السكان ؛ الكبار ، والصغار لصيانة بناء المسجد الطيني من آثار الأمطار الموسمية ، والشقوق التي يحدثها تغير درجات الحرارة ، والرطوبة .
فما أجمل هذه الروح التعاونية الصادقة التي أورثها السلف للخلف في هذه المدينة للحفاظ على موروثها الثقافي ، والروحي ، والمعماري .

من مخطوطــات مركز الشيخ سيد المختار الكبير الكنتي للمخطوطات والوثائق ، بقاوه شمال مالي
قال تعالى : (( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا الذي باركنا حوله لنريه من ءاياتنا إنه هو السميع البصير ... )) ألا تكفي هذه الآية الكريمة في ربط أمة الإسلام قاطبة بهذا المسجد ، وبهذه البقعة المباركة بنص القرآن العظيم من أرض الإسلام ؟!! أليس هو أولى القبلتين .. وثالث الحرمين .. ومسرى رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - ؟!! لم يستجب العالم العربي .. و ( الإسلامي ) للدعوة إلى يوم النفير لنصرة المسجد الأقصى المهدد بالهدم سوى بتظاهرة في مدينة الزرقاء الأردنية ، وأخرى في كشمير ، وهكذا بقي الفلسطنيون وحدهم يدافعون عن المقدسات في وجه التهويد ، ويتعرضون لإرهاب العدو المتمادي ..... !!!!! .أ . هـ لاشك أن الأمة الآن تتعرض لمحن ، وتحديات تفوق الوصف ، وأن الإستهداف المخطط طال ، ويطول كافة مكوناتها : إنسانا وأوطانا ، ومقدسات .. أما المسجد الأقصى المبارك فنظرة الصهاينة له لها أبعاد أعمق .. وأشرس مما يتوقعه البسطاء منا والودعاء الحملان ؛ الذين يحلمون بأن تتنازل لهم إسرائيل عن مطرح أنملة مما أخذته بالقوة !!! فمن أهم منطلقات الحركة الصهيونية ابتداءً : هدم المسجد الأقصى المبارك .. وإقامة الهيكل المزعوم في موقعه وعلى أنقاضه !!! هل سنظل نتفرج .. ونشجب .. ونستنكر .. وندين .. ونستجدي المجتمع الدولي .. ومنظماته المتواطئة مع الصهاينة منذ وضعت خطة تقسيم فلسطين بين أهلها الحقيقين وشذاذ الآفاق ممن لفظتهم أوروبا بل والغرب كله وحتى هذه اللحظة ... وفقط ؟ !!! سؤال الإجابة عليه ملحة ، وتحتاج إلى تجميع رأي حولها .. ودعوني أختم بهذه العبارة البليغة للأخت/ المعتزة بدينها :








