<<الصفحة الرئيسية
.
.
الاحد, 25 يونيو, 2006
ربما لا نكون مغالين إذا قلنا إن الطريقة القادرية في هذه المنطقة ارتبطت ارتباطا عضويا ، ووجوديا بالكنتيين ، فهم الذين حملوا العبأ الأكبر في نشر تعاليمها وأورادها ومنهجها في التربية الروحية ، والتعليم ، حملوه في كافة أرجاء هذه الصحراء وبلاد السودان الغربي وكان ذلك - بالطبع - تكلمة للدور العظيم الذي قام به الداعية الإسلامي الكبير الشيخ/محمد بن عبد الكريم المغيلي .
يقول المستشرق الفرنسي( بول ماتي ) في هذا السياق :
ولقد تقمص كنته القادرية ، مثلما تقمصتهم هي وأصبح اسمهم مرادفا لها وغالبا ما تكنى القادرية السودانية ؛ بالبكائية نسبة إلى : ( الشيخ / سيداحمدالبكاي بودمعة ) أو المختارية نسبة إلى : الشيخ / سيد المختار الكبير ، الذي كان المصلح الديني في نهاية القرن الثامن عشر، وبداية القرن التاسع عشرالميلاديين .
ويستطرد : بول مارتي في فقرة أخرى ويقول : ويبدو أن الشيخ / سيداحمد البكاي بودمعة هو أول من حمل الورد القادري في المنطقة ولكن لا يبدو أنه عمل على نشره .
وهنا سأستعين بدراسة مهمة من منشورات جمعية موظفي كلية الآداب والعلوم الانسانية بالرباط (1992م )
تحت عنوان :
العلاقات بين المغرب وإفريقيا الغربية .
وسأنقل مقتطفات - مع بعض التصرف - من دراسة مهمة منشورة في هذا الكتاب للباحث المغربي الكبير المرحوم : محمد المنوني - طيب الله ثراه - وعنوان الدراسة :
المدرسة الكنتية ( الزاوية ) كأبرز قناة بين الافريقيتين في العصر الحديث .
يقول الباحث نصا :
المدرسة الكنتية القادرية : مركزها القيادي في أزواد بصحراء مالي : المنطقة يتواجد بها كثير من قبيلة كنته وبها كان الشيخ / المختار بن أحمد بن أبي بكر الوافي ، من ذرية الفاتح عقبة بن نافع وهو من مواليد 1142/ 29-1730 م وتوفي عام 1226/1812م.
والصحيح أنه ولد : 1730 وتوفي 1811 م .
ثم يستطرد في حديثه الجميل عن الشيخ/ سيدالمختار فيقول :
وإلى تأسيسه للطريقة المختارية القادرية ( هو في الواقع لم يؤسس وإنما أصلح وجدد ) يعتبر علما لامعا في عطائه المعرفي وسلوكه الاسلامي وهنا يستشهد د/ المنوني بأقوال بعض الكتاب والباحثين الذين عاصروا الشيخ/ سيد المختار أو كتبوا عن الفترة التي عاش فيها، فينقل استشهاد عن ابن مخلوف في كتابه ( شجرة النور الزكية ) في معرض حديثه عن الشيخ / سيد المختار فيقول ابن مخلوف :
كان من أعلام العلماء .. والأئمة الفضلاء .. وأحد الأساتذة المشهورين .. والجهابذة المعروفين .
ثم ينقل استشهاد آخر عن أبي اسحاق التادلي ( في مخطوطة له ذكر فيها معلومات عن حياته ورحلته المشرقية ؛ رحلة الحج ) يقول التادلي عن الشيخ/سيد المختار: أنه في عداد الذين جددوا العلوم .. والدين في المغرب .
في تلك الفترة التي عاش فيها الشيخ/ سيد المختار الكنتي ، كانت منطقته : أزواد وتمبكتو - شمال مالي - يحكمها الباشوات المغاربة الذين سيطروا على المنطقة منذ عهد الدولة السعدية في القرن السادس عشر الميلادي .
ثم ينتقل د/المنوني إلى الحديث عن جهود الشيخ/ سيدالمختار الكنتي العلمية .. والاصلاحية فيقول :
وفضلا عن مبادراته الهادفة في ميادين التعليم الارشاد، خلف مؤلفات رصينة تتوزعها مواد الفقه .. والتصوف .. واللغة .. والأدب ، ثم ينوه ويشيد بصورة خاصة بكتاب الشيخ / سيد المختار المشهور (نزهة الراوي وبغية الحاوي ) ويصفه بأنه مؤلف موسوعي ، يقع في مجلد ضخم ، صنفه الشيخ في واحد وعشرين بابا ( 21 ) نثر فيها مسائل من التوحيد.. والهئية .. والسيرةالنبوية .. والتصوف .. و الوعظ .. والحديث الشريف .. والنباتات .. والمعادن .. والأحجار .. والتاريخ .. والخ ..
ويذكر د/المنوني أن هذا الكتاب أثار اهتمام الشيخ/ رفاعة الطهطاوي عندما اطلع عليه في مكتبة في باريس .. وقد أشار إليه الطهطاوي وهو يتحدث عن كروية الأرض :
فيقول : وممن قال من علماء المغرب بأن الأرض مستديرة وأنها سائرة : الشيخ / مختار الكنتاوي ... بأرض أزواد بقرب بلاد تمبكتو ... وقد ألف كتابا سماه ( النزهة ) جمع فيه جملة علوم ، فذكر- بالمناسبة - علم الهيئة ، فتكلم على كروية الأرض .. وعلى سيرها ووضح ذلك ، فتلخص من كلامه أن الأرض كرة ولا يضر اعتقاد تحركها أو سكونها .
ثم يتطرق د/ المنوني إلى اهتمامات الشيخ / سيد المختار في جانب الإصلاح الإجتماعي فيقول:
ومن سيرته أنه كان يهتم بتثقيف النساء ....
فقد كان الشيخ / سيد المختار من أوائل من اهتم بتعليم المرأة في منطقة الصحراء الكبرى وبلاد السودان الغربي ..
ويذكر ابنه الشيخ/ سيدمحمد في كتابه : ( الطرائف والتلائد .. . ) : أن الزاوية كانت معدة لاستقبال المتعلمين من الجنسين فإلى جانب مكان تدريس الطلبة الذكور ، فقد كان في جواره مكان كذلك معد لاستقبال الطالبات الإناث وكن يدرسن نفس العلوم والفنون التي تدرس للطلبة الذكور .
وفي هذا السياق يذكرابنه وخليفته الشيخ / سيد محمد :
أنه ختم المختصر الخليلي تدريسا هو وزوجه ( الشيخة لاله عائشة ) في يوم واحد وفي خيمة واحدة : هو - الشيخ / سيد المختار - للرجال ، وزوجه - الشيخة لاله عائشة - للنساء .
ثم ينتقل د/ المنوني إلى استعراض دور الزاوية أو المدرسة المختارية الكنتية - كما سماها - دورها في الاصلاح .. والتعليم .. ونشر الاسلام في غرب افريقيا وتصديهم للحملات التنصيرية المبكرة في القارة .
.. وإلى هذا فإن أطر المدرسة المختارية - شيوخا وتلاميذ - جميعهم نشروا الاسلام إلى قلب إفريقيا ، ووقفوا سدا منيعا في وجه التبشير النصراني .
وقد توزع نشاطهم بين ثلاثة مراكز :
1--الزاوية القادرية البكائية بـ ( أزواد ) - شمال جمهورية مالي حاليا - وتحديدا في منطقة أبو الأنوار .. والتي تبعد عن مدينة تمبكتو حوالي : (360 ك . م ) إلى الشمال الشرقي .
وتمثل هذه الزاوية القاعدة المركزية لينتشر الدعاة منها إلى تمبكتو وإلى أعماق منطقة غرب افريقيا .
2--ثم الزاوية القادرية في ( أدرار ) - زاوية كنته - في - جنوب الجزائر حاليا - وكان منها الانطلاق شرقا وشمالا وكانت ذات أهمية قصوى لاستمرار التواصل بين الشمال والجنوب .
3 -- ثم الزاوية القادرية الكنتية في ( ولاته ) في - موريتانيا حاليا - ومنها الانطلاق إلى منطقة نهر السينيغال وإلى غامبيا وغينيا .
ثم هناك امتداد غاية في الأهمية للزاوية القادرية الكنتية يتمثل في زاوية الشيخ/ سيديا الكبير الأبيري في منطقة ( بوتيليميت ) في الجنوب الموريتاني وقد تألق هذا الفرع أيما تألق خاصة في عهد الشيخ/ سيديا ومن خلفه من ذريته الأبرار حتى تجاوزت سمعته المنطقة برمتها وقامت بأدوار غاية في الأهمية في نشر الدعوة وإشاعة ثقافة السلم بين قبائل المنطقة ، التي كانت منشغلة في صراعات بلا نهاية على المرعى والمجالات الحوية وتخوم الإمارات والسيطرة على تجارة المنطقة ومواردها وضرائبها الأمر الذي أذكى خلافات كان للزاوية دورا إيجابيا في إخمادها والتخفيف من حدتها ونشر الطمئنين والأمن بين المستضعفين من الناس .
ويتحدث أحد المستشرقين الفرنسيين عن خطورة حماس الزاوية الكنتية لنشر الاسلام في افريقيا ، والتصدي لجحافل المنصرين الأوروبيين .. فيقول :
وبالاجمال : فالقادرية هم أحمس مبشري الدين الاسلامي في غربي افريقيا من السينيغال إلى بنين ، التي بقرب مصب النيجر وهم ينشرون الاسلام بطريقة سلمية : أي بالاستعمار والتجارة والتعليم وتجد التجار الذين من السونينكي والمانديج المنتشرين على مدن النيجر ( يقصد النهر ) وماسينا : كلهم من مريدي الطريقة القادرية ومن مريديهم من يخدمون في مهنة الكتابة والتعليم ويفتحون كتاتيب ليس في زوايا الطريقة فقط بل وفي كل القرى والمدن ، فيلقنون صغار الزنج الدين الاسلامي اثناء التعليم ويرسلون النجباء منهم على نفقة الزاوية إلى مدارس طرابلس ( الغرب ) والقيروان وجامع القرويين بالمغرب والجامع الأزهر بمصر فيتخرجون من هناك أساتذة ويعودون إلى تلك البلاد لأجل مقاومة التنصير ...
الاحد, 18 يونيو, 2006
من المعلوم تاريخيا أن منطقة ثنية نهر النيجر كانت في القرون الوسطى في أوج ازدهارها التجاري والاقتصادي ، بسبب ما تمتعت به أنظمتها الحاكمة من استقرار سياسي ، وانفتاح أمام حركة التجارة القادمة من مناطق الجوار إضافة إلى ما حباها المولى عز وجل به من توفر معدن الذهب التبر في أراضيها ورخص ثمنه مقارنة مع المناطق المجاورة ، الأمر الذي شجع التجار والدعاة العرب بعد فتح بلاد المغرب على التوجه إليها فرافق الكثير منهم القوافل التجارية التي كانت ترتاد المراكز التجارية على ضفاف نهر النيجر .
ولكن في الحقيقة الصلات التجارية بين ضفتي الصحراء قديمة قدم وجود الإنسان في المنطقتين ، حيث تذكر المصادر التاريخية أن قوافل مملكة قرطاجنة كانت تقطع دروب الصحراء منذ القدم ذهابا وإيابا لجلب الذهب .. والعاج .. وريش النعام .. وجوز الكولا ، وغير ذلك من سلع ، وكنوز الجنوب ، مقابل ما تسوقه القوافل القرطاجنية بدورها من سلع الشمال المتمثلة في ؛ المنسوجات القطنية ، والأواني ، والأدوات النحاسية المطروقة ، والأسلحة الحديدية المصنعة في الشمال ؛ سيوف .. وخناجر .. ورماح .. ودرق حديدية .. وجلدية .. وكذلك الخيول المسومة وأسرجتها .. وكامل أدوات زينتها .. ثم واسطة عقد هذه السلع المتمثلة في معدن ملح الطعام ، والذي كان أكثر سلعة عليها الطلب في مدن الثنية وحوض النيجر .
كانت هذه الحركة التجارية بين ضفتي الصحراء الكبرى منذ فجر التاريخ ... واستمرت في العهد اليوناني .. والروماني .. والفندالي .. وذكرها المؤرخ الاغريقي الشهير : هيرودوت ، وذكر أن عملية تبادل السلع بين الطرفين كانت تحدث بصورة صامتة ولذلك سماها بـ : ( التجارة الصامتة ) .
إلاَ أن الإزدهار الحقيقي للتجارة بين ضفتيْ الصحراء وصل ذروة نموه وازدهاره إبان دخول الإسلام للمنطقتين ، ربما بسبب دخول عامل الدعوة إلى الإسلام - كدافع أول - لارتياد هذه المناطق ، والحماس الشديد الذي تميز به الدعاة الأوائل لنشر مباديء دينهم بين الأقوام الذين لم تصل إليهم رسالة الدين الجديد ، بالاضافة إلى عوامل مساعدة أخرى تمثلت في أمن الطريق .. وتوفر مياه الشرب في الطريق بعد حفر العديد من آبار المياه العذبة على امتداد الطرق الرئيسية للقوافل التجارية المتجهة جنوبا ، بالإضافة إلى الأرباح الطائلة التي كانت تدرها تجارة الجنــــــــوب على تجار الشمال .
كل هذا وغيره ساهم بصورة أو بأخرى في تدفق التجار، والدعاة والعلماء العرب نحو هذه المراكز التجارية المتخذة كنقاط تبادل تجاري بين ضفتي الصحراء .
وقد شهدت هذه المدن والمراكز ازدهارا ونموا مطردين بسبب ما تقدم ، فأصبحت من أكثر المناطق جذبا لأهل المال والباحثين عن الأرباح المجزية بل وللنخب المثقفة كذلك فكانت هي الحواضن الأولى للثقافة والحضارة العربية الإسلامية الوافدة على بلاد السودان ، وثنية النهر ، وتوطنت ونمت فيها مختلف مظاهر الحضارة العربية الإسلامية من أنماط سلوك ، وآليات تعلم وتفكير وأساليب عيش جلبها الوافدون الجدد مع ما جلبوا من سلع وبضائع كانت المناط الأول للتبادل و الاتصال بين الطرفين.
ودون الدخول في تفاصيل أهمية تجارة القوافل بين ضفتي الصحراء ، وكيفية تنظيمها ، وحجم السلع ، والبضائع المتبادلة بين المنطقتين ، وما جلبه هؤلاء الوافدون الجدد من آليات سوق جديدة لم تعهدها حواضر وأسواق المنطقة من قبل ؛ كاستخدام عملة معينة لشراء السلع بدلا من إبدال سلعة بسلعة أخرى - كما كان سائدا - وكذلك أدخلوا استخدام نظام الصكوك في التعامل بين التجار ، واستخدام الوثيقة المدونة في البيع والشراء ، وفي حفظ الدين؛ (بائع + مشتري + سلعة + ثمن + شهود ) .
وحتى لا نستطرد كثيرا في تفاصيل كهذه - رغم أهميتها - دعوني أتحدث عن أهمية العنصر البشري ، ودوره في تطوير عملية التفاعل الحضاري ، والثقافي البناء بين سكان ضفتي الصحراء ، وأهمية الأفكار الجديدة والقيم السمحة التي حملتها القوافل التجارية للمنطقة ، حتى بدت وكأنها نفخت في المنطقة ومجتمعاتها روحا جديدة وثابة تتطلع لمستقبل مشرق ، ومنفتحة على الآخر القادم ، وما أضافه هذا الشريك الحركي الجديد في السوق المفعم بالحيوية والنشاط وروح المبادرة ، ودوره فيما عرفته المنطقة - لاحقا - من تطور بيين في نظمها السياسية ، والإقتصادية ، وطرق إدارتها للبلاد ، والعباد .
وقد سُجل لحكام هذه الناطق أنهم كانوا يتحلون بقدر كبيرمن التسامح ، وكانوا يؤمنون في أعرافهم وتقاليدهم المتوارثة بقيم العدل ، والصدق في المعاملة ، وكانوا يقدرون الوافدين الجدد جم التقدير ، الأمر الذي أتاح للدعاة والتجار الإستقرار بين ظهرانيهم ، وبيع سلعهم وبضائعهم ، ونشر دينهم الحنيف في طول البلاد وعرضها في فترة وجيزة ، ودون أي معوق من الإدارة المحلية أومن الأهالي .
ويبدو أنه كان للجاليات العربية القادمة من بلاد المغرب ، والأندلس ، ومنطقة غدامس في غرب ليبيا ، والجالية المصرية الكبيرة ، كان لهم الدور الأكبر في خلق هذا المناخ الحضاري المتسامح الجميل بين أهل البلاد والجاليات الوافدة عليهم ، والذي أنتقلت فيه الأفكار والقيم ، والمباديء بين كافة شرائح ، وطبقات المجتمع المحلي بيسر، وسهولة ، وسلاسة ، وأنسياب .
ويتحدث جمع غفير- ممن كتب عن تلك الحقبة - من الكتاب ، والمؤرخين والرحالة العرب ؛ كالبكري ، وابن حوقل ، والإدريسي ، وابن خلدون ، وابن بطوطة ، وحسن الوزان ( ليون الإفريقي ) وغيرهم يتحدثون عن زخم الوجود العربي في اسواق ممالك كلا من : غانا .. ومالي .. والصنغاي ، وذكروا ما كانت تتمتع به هذه الجاليات الوافدة ؛ من علماء وتجار ودعاة لدى أباطرة وملوك هذه الدول من مكانة وتقدير مميزين .
فقد وجدوهم مستشارين .. ومترجمين .. بل ووزراء .. ووعاظ .. وقضاة ، وكتبة محاضر ورسائل لحكام وسلاطين البلاد ، الأمر الذي هيأ مكانة مرموقة للدين الإسلامي ، والثقافة العربية الإسلامية في البلاد وفتحها على مصراعيها أمام مؤثرات الحضارية العربية الإسلامية ، فأثمر فيما بعد هذا الإنتشار المذهل للإسلام في كافة أرجاء هذه المناطق .
السبت, 17 يونيو, 2006
تابع /...
.. وكذلك نجد حديثا عنهم ، وعن أدوارهم المشهودة في المنطقة عند باحث عربي آخر امتاز بتتبعه ورصده لحركة القبائل العربية في منطقة المغرب العربي ، هو : الدكتور/ مصطفى أبو ضيف أحمد ، ذكرهم في كتابه القييم ( أثر القبائل العربية في الحياة المغربية خلال عصر الموحدين وبني مرين ) حيث يقول :
" كانت هناك قبيلة عربية واحدة كان لها أثر عظيم في إسلام الزنوج في منطقة جنوب الصحراء ، ومنطقة النيجر الوسطى " يقصد منطقة منحنى نهر النيجر حيث تقع مدن تاريخية مهمة هي : تمبكتو .. وقاوه .. وجني .
ثم يواصل الدكتور / مصطفى حديثه قائلا: ... " تلك هي قبيلة ( كنته ) التي هاجرت في القرن التاسع الهجري من مواطنها في : توات - منطقة في الجزائر حاليا - إلى أطراف تمبكتو ... ومع مرور الزمن انصهرت هذه القبيلة العربية الأصل وأصبحت مغربية تدين لها الطريقة القادرية بانتشارها في غرب إفريقيا .
ويلاحظ تطابق النصين الذين أوردناهما ؛ وقد فعلنا ذلك قصدا للتدليل على صحة ما تضمناه من معطيات تاريخية ومعلومات تقوى بتوارد النصوص التاريخية فيها ، وسنكتفي بهما مما كتبه العرب رغم كثرته ، وربما تأتي فرصة أخرى لمزيد من البسط والتحليل في هذا الموضوع .
وإن كان الكتاب العرب القدامى والمحدثين قد تحدثوا عن هذه المجموعة في سياق أحاديثهم عن حركة وأدوار القبائل العربية في المنطقة ، فكذلك فعل الكتاب الغربيون فمنذ سقوط الأندلس - في القرن الرابع عشر الميلادي - وبداية عصر استكشافهم لافريقيا جنوب الصحراء ، بدأ الغربيون محاولات مركزة لاستكشاف المنطقة ودراسة الأقوام .. والجماعات المؤثرة فيها .
وكان للكنتين نصيب الأسد في هذا الاهتمام الغربي ، فتناولهم البرتغاليون في كتاباتهم الاستكشافية عن المنطقة ، كما فعل ذلك الألمان ، والانجليز، والفرنسيين ، والأمريكان .
( انظر كتاب :
حاضر الهالم الإسلامي ...
وكتابات : هنري بارث الألماني ..
وكتاب : الدعوة ألى الاسلام لتوماس أرنولد ..
وكتاب : تمبكتو العجيبة ، لفيلكس ديبوا..
وكتاب : كنته الشرقيون لبول مارتي ...
وكتاب : الفتح العربي للصحراء الغربية ... لـ : T . H نورس الخ .. )
وقد ركز هؤلاء الباحثين والمستكشفين والمستشرقين على دراسة بنية هذه المجموعة ، وأهمية الدور الذي تقوم به في محيطها ، وكيف كانت تؤثر في المجتمع والناس ...
عن تاريخ المجموعة الكنتية يقول المستشرق الفرنسي بول مارتي :
" ويؤكد أفراد قبيلة كنته على أنهم ينحدرون من عقبة بن نافع الفهري فاتح إفريقيا الشمالية ..
ولا تنتشر هذه الرواية فيما بينهم فحسب ، بل بين كل القبائل الصحراوية المثقفة ، وترتبط بشجرتهم السلالية بالواقع سواء أستقيناها من ( تقانت ) - منطقة في موريتانيا - أو في الحوض .. أو في أدرار إفوغاس - منطقة في مالي - أو من النصوص المكتوبة التي تعود لأكثر من قرن من الزمن ، أقول ترتبط بشكل جيد جدا برجل الجهاد العظيم عقبة " يقصد : عقبة بن نافع الفهري التابعي الجليل .
وممن تحدث عن أهمية الدور الكنتي في المنطقة الباحثة الأمريكية : ماري بير نبام - وهي باحثة وأستاذة كرسي في جامعة : ميريلاند الأمريكية - تقول دكتورة ماري عن الكنتيين في دراسة لها عن الجغرافيا السكانية .. والاقتصادية .. والسياسية .. والاجتماعية لمنطقة : حوض نهر النيجر وتحديدا تمبكتو والمناطق المحيطة بها وقد ركزت الباحثة في دراستها على المجموعات ذات التأثير : الديني .. والسياسي .. والاقتصادي في حركة المجتمع .
وفي السياق ذاته تقول الباحثة :
"... لم يحظ الحضر من عرب الكنته - كماسمتهم - بالقوة السياسية فحسب ، بل كانت لهم مكانة دينية رفيعة بتزعمهم للطريقة القادرية ذات النفوذ الديني القوي ، ومعظم أئمة، وقضاة ، وعلماء المدينة هم إما من الكنته أو من المرتبطين بهم ( تقصد في الورد القادري ) .
وفي الواقع عرفت المجموعة في مجملها بالزعامة الدينية بقدر ما اشتهرت به من زعامة سياسية ، وذلك بخلاف الخبرة التجارية التي يتمتع بها أفراد المجموعة الكنتية .. الخ "
ومما تقدم نستطيع أن نستخلص حقيقة ، وأهمية الحضورالكنتي الفعال في المنطقة - مدار البحث - لقرون عديدة ، فقد شكلوا ثقلا حقيقيا ، وعاملا مؤثرا في كل مظاهر الحياة في منطقتهم .. ( في الدين .. والسياسة .. والاقتصاد .. والثقافة .. والاجتماع ..الخ )
وقد شمل هذا التأثير مناطق عديدة في حيز جغرافي مترامي ؛ ابتداء من الجنوب المغربي ، والجزائري ، مرورا بمعظم الحزام الصحراوي الواقع في كل من : مالي .. وموريتانيا .. والنيجر ..
وبالاضافة إلى وجود للقبيلة أقل درجة في كل من ليبيا.. وبوركينافاسو.. والسينغال .. وزد على ذلك الحضور الكنتي المهم في نايجيريا من خلال العلاقات الدينية الوثيقة بين الكنتيين وآل الشيخ عثمان دان فوديو لارتباطهما معا بالطريقة القادرية البكائية الكنتية ، ولما كان يربط البيتين من تعاون قوي ومثمر في التعليم .. والتربية الصوفية .. والاصلاح .. والدعوة في عموم ا لمنطقة .
تقسيمات ... وفروع القبيلة :
------------------
وهنا لابد من ذكر فروع : قبيلة كنته ..
وتقسيماتها ..
ومواطنها الحالية ..
فبعد أن مرت القبيلة بفترات تمدد وحراك أقتضته طبيعة الحياة غير المستقرة في هذا الشريط الجغرافي الذي لا يمل ولا يكل ؛ من الحراك ، والمد ، والجزر، يلفظ قوما .. ويستوعب أقواما .. ويخفض أناسا .. ويرفع من شأن آخرين .. وهذا بطبيعة الحال هو ناموس التاريخ أو قل هو قانونه المطرد عبر الزمان والمكان أستقر بهم المقام في نهاية المطاف في هذه المواطن التي سنفصلها الآن .
وإذا تحدثنا عن التقسيم من الناحية الجغرافية فيكون كالتالي :
1-- فهناك : كنته الغرب ؛ والمقصود هم أؤلئك القاطنين في كل : من المغرب .. وموريتانيا .. والصحراء الغربية .
2 -- وهناك : كنته الشرق ؛ وهم القاطنين في كل من : مالي .. والجزائر .. والنيجر.. وليبيا .
أما التقسيم من حيث ؛ العشائر والأفخاذ فهو كالتالي :
بدون خلاف عند كافة مؤرخي المنطقة كل الكنتيين يتفرعون من ذرية الشيخ / سيدأحمد البكاي بودمعة ابن الشيخ / سيد محمد الكنتي الفهري .
والشيخ/ سيد أحمد البكاي بودمعة له : ثلاثة أبناء لا غير وهم :
1--- سيدمحمد الكنتي الصغير ... وهوجد أغلب كنته الغرب وله : سبعة أبناء هم أجداد عشائر الغرب .
فـ سيدي ويس جد عشيرة : أولاد بوسيف ( بيضا .. وسودا ) .
وسيدأحمد الكريم ؛ جد عشيرة : أهل أحمد كنته .
وسيدي الوافي الشواف ؛ جد عشيرة : أهل أوقال .
وسيدي بوبكر؛ جد عشائر : أولاد سيد بوبكر كافة ( بيضا .. وسودا )
وسيدي عمر؛ جدعشيرة : المتغنبرين .
وسيدي حبيب الله ؛ جد عشيرة : أولاد سيد حَيْبَ الله .
وسيدي المختار النقرة ؛ جد عشيرة : الركابات .
2 -- وسيدي بوبكر الحاج ؛ له : ولدان تفرع منهمال سائر عشائر ؛ الهمال وأهل الأزرق .. ولهم حضور في الغرب والشرق ، وإن كان أغلبهم في الشرق .
3 -- وأما سيدعمر الشيخ ؛ فله : ثلاثة أبناء هم :
سيدأحمد الرقاد ؛ جد عشيرة : الرقاقدة .
وسيد المختار؛ جدعشيرة : أولاد سيد المختار ( المخاتير ) .
والوافي ؛ جد عشائر : أولاد الوافي كافة ( المصادفه .. وأولاد سيد عبد الرحمن .. وأولاد ابن عمر .. وأولاد ابن حيب الله .. وأولاد بوحامية .. وأولاد الشيخ سيد المختارالكبير .. )
وهؤلاء جميعا أو أغلبهم مواطنهم في الشرق ، في مالي والجزائر والنيجر وليبيا، فعرفوا ( بكنته الشرق ) .
الاربعاء, 14 يونيو, 2006
تابع / ... تاريخ القبيلة ، وأسباب تسميتها :
وتعتبر قبيلة : كنته ( الكُنتيون أو الكِنتيون ) من أهم المجموعات العربية - الوافدة بعد الفتح - التي حطت رحالها على مشارف ( نهر النيجر) في هذا التاريخ ( أواخر القرن الخامس عشر الميلادي )
وبالمراجعة ، والتثبت من الوثائق التاريخية ، والروايات الشفوية المحلية المتواترة يتضح أن هذا الاسم الذي تعرف به القبيلة حاليا بين سائر قبائل المنطقة ( الكنتيين ) أخذته من جدها : الشيخ / سيد محمد الكنتي ، الذائع الصيت ، والذي أشتهر في منطقته بالعلم ، والزهد ، والورع ، والتقوى ، وإن مرت به فترة طيش في شبابه ، حيث عرف بالقوة البدنية ، والشدة ، والفتوة ، فلما كبر وصلح أمره ، وأصبح شيخا ، ومعلما تربويا تشد له الرحال من كل أرجاء الصحراء الكبرى ، وبلاد السودان ، وأجتمع حوله الكثير من طلاب العلم والمعرفة ، وكثر أتباعه ، ومريدوه ، في هذا الجو الطيب المفعم بالسموالروحي ، والتجرد من الحول والطول ، أصبح الشيخ / سيد محمد الكنتي كثير التحدث لمن حوله عما كان عليه أمره في مقتبل عمره - وبألم ومرارة أحيانا - مقارنا ذلك بما صار إليه أمره في الحين والساعة ، ومستخلصا من حالتيه ؛ العبر والدروس ، والعظات الجمة ، وتذكر بعض المصادر: أن هذا هو السبب في إلصاق كنية ( الكُنْتِي ) بالشيخ / سيد محمد .
وجغرافيا يمكن تقسيم القبيلة إلى :
منسوبين إلى الغرب - المغرب .. ومنطقة الساقية الحمراء ووادي الذهب .. وموريتانيا - فيقال كنته الغرب .
وإلى منسوبين إلى الشرق - مالي .. الجزائر .. النيجر .. ليبيا - فيقال كنته الشرق .
فهل لهذا الاسم أصل في اللغة العربية ؟
نعـــــم ... وتعالوا معي نستنطق كتب المصادر اللغوية العربية لنتبين معنى هذه التسمية في لغة الضاد :
يقول ابن منظور في قاموسه الشهير ( لسان العرب ) يقول في مادة ( كون ) : ورجل كُنْتِيٌ : كبير نسب إلى كنت ، وقد قالوا : كنتني نسب إلى كنت أيضا ، والنون الأخيرة زائدة .
ونقل عن الجوهري قوله : يقال للرجل إذا شاخ هو
( كُنْتِيٌ ( كأنه نسب إلى قوله : كنت في شبابي كذا.. وكذا..
وأنشد قول الشاعر العربي القديم :
فأصبحت كُنْتِياً وأصبحت عاجنا // وشر خصال المرء كنت وعاجن .
وفي الحديث : دخل المسجد وعامة أهله ( الكُنْتِيُون ) أي الشيوخ الذين يقولون : كنا كذا.. وكنا كذا ، وكنت كذا فكأنه منسوب إلى كنت .
وهكذا تنطق التسمية في عند كنته الشرق .
وتقول العرب في كلامها : كأنك والله قد كنت وصرت إلى كان ، أي صرت إلى أن يقال عنك : كان فلان ، أو يقال عنك في حال الهرم : كنت مرة كذا ، وكنت مرة كذا.. انتهى الإستشهاد اللغوي .
وتنطق في الغرب :
هكذا : ( الكِنْتِي ) على وزن: ( الكندي ) وهي هنا من كلمة ( الكَنَت ) التي تعني : القوة ، والشدة ؛ فـ ( الكنتي ) إذن هو القوي الشديد ، انظر المنجد في اللغة الأعلام .
وقد عرف الشيخ / سيد محمد الكنتي ( كنتاوي/كنتي ) بهذه الكنية ولهذين المعنيين ولازمته ... بل ولازمت ذريته من بعده حتى يوم الناس هذا .
فما هي علاقة الشيخ / سيدي محمد الكنتي بعرب الهجرة الهلالية (( المعاقلة )) ؟
وتتحدث مصادر تاريخ المنطقة عن الشيخ / سيد محمد الكنتي - القرن الخامس عشر الميلادي - بقدر كبير من الإجلال والتقدير، وتذكر نفوره الشديد من كل مظاهر الظلم ، والفساد ، والبطر، والعجب بالنفس التي كانت متفشية في المجتمعات ، والنخب الحاكمة في الصحراء آنذاك ، وتذكر كذلك جهوده المضنية في الإرشاد ، والنصح لأولي الأمر، وسعيه الدؤوب لإصلاح المجتمع والمنطقة برمتها ، وقد ترجم تلك المحاولات ، وذلك السعي في تعاونه ، وتحالفه مع من توسم فيهم روح الإصلاح ، وقبول ما كان يدعو له من أفكار، وما كان يؤمن به من تصورات لإصلاح شؤون المنطقة وأهلها ، فأثمرت تلك الجهود في تكوين تحالف من أحفاد عرب الفتح الإسلامي الأول ، مع عرب بني حسان من المعاقلة الذين وفدوا مع الهجرة الهلالية الشهيرة لمنطقة المغرب العربي ، فكان لهذا التحالف - والذي مازالت الأجيال حتى الآن تتناقل بنوده شفاهة - كان له الأثر الكبير في بسط سيطرة القبائل العربية المعقلية من بني حسان على كل المنطقة الممتدة من ( بلاد تكنة ) في الجنوب المغربي مرورا بالساقية الحمراء ووادي الذهب ، إلى ضفاف نهري : السينغال ، والنيجر .
وقد ساهم ذلك التحالف، وتلك السيطرة في أسلمة الكثير من المظاهر الإجتماعية ، في سائر مجتمعات المنطقة ، كما ســـاعدت في تعريب الألسنة تدريجيا ، وسادة لهجة بني حسان كل ذلك الحيز الجغرافي ، وطبعت المنطقة برمتها بمظلة حضارية ، وفكرية ، وعقيدية ، ومذهبية واحدة .
كنته الأصل والتاريخ :
وإذا كان المعاقلة قدموا مع الهجرة الهلالية القريبة نسبيا فإن الكنتيين الذين تحالفوا معهم في المنطقة هم من عرب الفتوحات الإسلامية الأولى ، وكان هؤلاء يعرفون بالعرب البلديين ، تمييزا لهم عن أولئك الذين
جاؤا بعدهم سواء قبل الهجرة الهلالية ، أو بعدها .
وترجع كنته تحديدا في أصولها ، وجذورها الأولى ، إلى أرومة بني فهر من قريش وهم من ابناء ، وأحفاد قادة جيوش الفتح الإسلامي في عهد الدولة الراشدة ، و دولة بني أمية .
وقد عرفوا بداية في المناطق التي استوطنوها : بالفهريين - القيروان .. الأندلس .. مستغانم .. وتلمسان .. وتوات .. وفاس .. الخ - عرفوا بالفهريين عموما .. وبالعقبيين - عقباوي/عقبي - خصوصا ؛ نسبة إلى الفاتح العظيم / عقبة بن نافع الفهري ( ولد سنة 1 قبل الهجرة ، وتوفي سنة 63 هجرية ) .
وتعضيدا لهذا المعنى يمتدح أحد علماء المغرب الأقصى في القرن الثامن عشر الميلادي البيت الكنتي بهذه الأبيات العذبة الجميلة ذاكرا أصل القوم وأمجادهم التاريخية التي يعتزون بها أيما أعتزاز ، فيقول :
* بني عقبة ابن نافع مناسب ...
تأبى أن يفوتها فخر .
* ولا خير إلاَّ في نزار وخيرهم ...
على كل حال ما توارثه فهر .
* بسيوفهم فتحوا المغارب كلها ...
على حين عمتها الضلالة والكفر .
* ومن نورهم فتح القلوب التي دجت ...
بها ظلم الأحشاء واجتاحها الوزر .
* بالشيخ مولانا المختار ومحمد ...
فذان هما الشمس المنيرة والبدر .
وسنسوق هنا في عجالة بعض النصوص التاريخية الموثقة التي تحدثت عن أصول ( الكنتيين ) ونمر- مرور الكرام - على الأدوار التاريخية التي نهضوا بها في الصحراء الكبرى ، وحوض نهر النيجر .
يقول الباحث الأكاديمي المصري المتخصص في تاريخ إفريقيا ما وراء الصحراء، الدكتور/ عبد الله عبد الرزاق إبراهيم ، في كتابه الممتع : ( أضواء على الطرق الصوفية في القارة الإفريقية ) يقول :
" كنته إحدى القبائل العربية التي كان لها نفوذ كبير في جنوب الصحراء والساحل "
ثم يستطرد ذاكرا هجرتهم التاريخية من منطقة توات - في الجنوب الجزائري حاليا - فيقول : " وقد هاجرت هذه الجماعات من منطقة توات في القرن الخامس عشر الميلادي ، ووصلوا إلى حدود تمبكتو - مدينة تاريخية على ضفة نهر النيجر، تابعة لجمهورية مالي حاليا - ثم يأتي على ذكر التطور الذي مرت به القبيلة ، والدور الحضاري والإيجابي الذي قامت به بعد استقرارها في موطنها الجديد حول ( تمبكتو ) فيقول : " ثم تطورت - هذه القبيلة - من نواة عربية إلى قبيلة مغربية دينية كانت الأساس في نشر الطريقة القادرية في غرب إفريقيا " .
ثم يشير الدكتور الباحث إلى الأسباب التي جعلت الكثير من القبائل ، والجماعات ، تلوذ بفناء قبيلة كنته ، وتحتمي بحماها الآمن ، فيقول : " لأنها كسبت شهرة دينية جعلت الكثيرين ينتمون إليها ، وصارت الوسيط بين القوى المتصارعة من الطوارق .. والفلان .. والزنوج في منطقة تمبكتو "... يتبع .. ،
الثلاثاء, 13 يونيو, 2006
تمهيــــد ...
أهمية مدن وحواضر الشمال في نقل المؤثرات الحضارية .. والثقافيـــــة .. والبشرية جنوبا :
تذكر المصادر التاريخية للمنطقة أن مدن الشمال الإفريقي :
( الفسطاط .. وطرابلس الغرب .. والقيروان .. وتلمسان .. ومستغانم .. ومنطقة توات .. وفاس .. وسجلماسة .. ومراكش .. وشنقيط .. وولاته .. الخ ) هذه المدن - وبدرجات متفاوتة - لعبت أكثر الأدوار أهمية في عبور المؤثرات الحضارية جنوبا قبل الإسلام ثم أصبحت محطات انطلاق وإمداد للمؤثرات العربية الإسلامية المتجهة جنوبا بعد الفتح ، كما مثلت الجسر الأول لعبور التبادل التجاري والثقافي ، والحضاري بين شعوب شبه الجزيرة العربية، وشمال إفريقيا من جهة ، وشعوب وقبائل الصحراء الكبرى وغرب إفريقيا من جهة ثانية .
وقد ساهمت طرق القوافل التجارية عبر الصحراء الكبرى مساهمة عظيمة في استمرار هذا التواصل النبيل ، ولم تشكل رمال الصحراء الواسعة عامل انقطاع ، وفرقة بقدر ماشكلته من عوامل الإتصال المثمر والبناء بين الشعوب القاطنة على ضفتي الصحراء الكبرى .
وقد سلك الإسلام الفاتح هذه الطرق التجارية برفقة التجار والقوافل التجارية المتجهة جنوبا منذ دخوله الأول للشريط الشمالي المحاذي للمتوسط في القرن الهجري الأول .
التباشير الأولى لنشر الإسلام في جنوب الصحراء ، وحوض النيجر :
يكاد لا يختلف اثنان من مؤرخي تلك الفترة على أن فضل السبق في حمل لواء الإسلام في هذه المناطق يرجع الكثير منه إلى دعاة وعلماء ارتادوا المنطقة في وقت مبكر جدا برفقة القوافل التجارية التي كانت دائمة الحركة بين الأسواق التجارية القائمة على ضفتي الصحراء ، وكان من هؤلاء الدعاة الأول ابناء ، وأحفاد أولئك الفرسان
الميامين الذين كانوا قادة وجنودا في جيوش الفتح الإسلامي لمنطقة المغرب العربي وشمال افريقيا .
ولبسط هذه النقطة وتسليط المزيد من الضوء عليها ؛ يذكر الكثير من الباحثين في تاريخ المنطقة أن الوجود العربي هنا يرجع إلى القرن الهجري الأول ، ويذكر البكري - وهومن أوائل من كتب عن المنطقة - في كتابه القيم : ( المسالك والممالك ) أن بواكير هذا الوجود المستقر تمثلت في بقايا من ذرية الفرقة الأموية التي أرسلت لنشر الإسلام في هذه المناطق ، وتحديدا في أطراف إمبراطورية غانا الوثنية - قد تكون تلك البعثة في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز حسب بعض المصادر- وهذه الإشارة الموثقة من البكري تعززها ، وتدعمها المصادر التاريخية القديمة في المنطقة ، وكذلك تؤكدها الروايات التاريخية المتواترة عند مؤرخي الصحراء وبلاد السودان .
وتضيف بعض المصادر في هذا السياق ؛ الدور المهم الذي قام به أحد أحفاد الفاتح / عقبة بن نافع الفهري في تمهيد طرق القوافل المتجهة جنوبا ، وحفر آبار المياه العذبة على طول طريق القوافل الممتد من بلاد السوس في الجنوب المغربي إلى منطقة شنقيط - في شمال موريتانيا حاليا - ثم الإمتداد جنوبا إلى أودغشت ، وضفاف نهرصنهاجة ( أي نهر السينغال حاليا ) .
وتنوه المصادر التاريخية بأن العرب قد فاقوا غيرهم في المقدرة على الإنسياب ، والتغلغل في الداخل ، وعبور الصحراء الكبرى جنوبا فمثلا - وبالمثال يتضح المقال - لم يتجاوزالرومان - الذين كانوا يحتلون شمال افريقيا قبل الفتح الإسلامي- لم يتجاوز نفوذهم السهل الساحلي الخصيب ، حيث أقاموا خطوطا دفاعية وحصونا منيعة ليحتموا بها من خطر غارات القبائل الأمازيغية الأبية التي كانت تمتعض أشد الإمتعاض ، وتستشيط غيظا وغضبا من وجود المحتل الروماني على أرضها ، فكانت غاراتهم لا تنقطع على حصون وثغور الرومان .
أما العرب فقد استوعبوا أهل البلاد الأول ، ثم توغلوا في العمق الداخلي لمنطقتي شمال وغرب إفريقيا ، بفضل مباديء دينهم الحنيف الذي لاقى قبولا محمودا منذ الوهلة الأولى ، وحماسهم الرائع لنشره بين سائر الأقوام ، والشعوب ، الأمر الذي مكنهم من التعايش ، بل والتفاعل ، والتمازج مع غيرهم من قبائل ، وشعوب المنطقة ، المتعطشة إلى قيم ، ومباديء هذا الدين السمح .
وقد تكون لاحقا من هؤلاء وأؤلئك نسيجا مجتمعيا رائعا ، وجميلا يصعب على غير المتخصص أن يفرق بين لحمته وسندانه ، أي بين الوافدين الجدد ، وأهل المنطقة الأصليين .
وقد استمر تدفق التجار والدعاة والعلماء على منطقة حوضي النيجر والسينغال من مختلف المدن ، الأمصار في الشمال ، ومن الأندلس وخاصة بعد إنهاء الوجود الإسلامي فيه .
واستمر ذلك التحرك جنوبا في يسر وانسياب إلى أن وصلت قبائل عربية بقضها وقضيضها إلى ضفاف نهري النيجر والسينغال في مطلع القرن الخامس عشر الميلادي ....
يتبع ...
<<الصفحة الرئيسية
.
.







