.
.
الثلاثاء, 13 يونيو, 2006
تمهيــــد ...
أهمية مدن وحواضر الشمال في نقل المؤثرات الحضارية .. والثقافيـــــة .. والبشرية جنوبا :
تذكر المصادر التاريخية للمنطقة أن مدن الشمال الإفريقي :
( الفسطاط .. وطرابلس الغرب .. والقيروان .. وتلمسان .. ومستغانم .. ومنطقة توات .. وفاس .. وسجلماسة .. ومراكش .. وشنقيط .. وولاته .. الخ ) هذه المدن - وبدرجات متفاوتة - لعبت أكثر الأدوار أهمية في عبور المؤثرات الحضارية جنوبا قبل الإسلام ثم أصبحت محطات انطلاق وإمداد للمؤثرات العربية الإسلامية المتجهة جنوبا بعد الفتح ، كما مثلت الجسر الأول لعبور التبادل التجاري والثقافي ، والحضاري بين شعوب شبه الجزيرة العربية، وشمال إفريقيا من جهة ، وشعوب وقبائل الصحراء الكبرى وغرب إفريقيا من جهة ثانية .
وقد ساهمت طرق القوافل التجارية عبر الصحراء الكبرى مساهمة عظيمة في استمرار هذا التواصل النبيل ، ولم تشكل رمال الصحراء الواسعة عامل انقطاع ، وفرقة بقدر ماشكلته من عوامل الإتصال المثمر والبناء بين الشعوب القاطنة على ضفتي الصحراء الكبرى .
وقد سلك الإسلام الفاتح هذه الطرق التجارية برفقة التجار والقوافل التجارية المتجهة جنوبا منذ دخوله الأول للشريط الشمالي المحاذي للمتوسط في القرن الهجري الأول .
التباشير الأولى لنشر الإسلام في جنوب الصحراء ، وحوض النيجر :
يكاد لا يختلف اثنان من مؤرخي تلك الفترة على أن فضل السبق في حمل لواء الإسلام في هذه المناطق يرجع الكثير منه إلى دعاة وعلماء ارتادوا المنطقة في وقت مبكر جدا برفقة القوافل التجارية التي كانت دائمة الحركة بين الأسواق التجارية القائمة على ضفتي الصحراء ، وكان من هؤلاء الدعاة الأول ابناء ، وأحفاد أولئك الفرسان
الميامين الذين كانوا قادة وجنودا في جيوش الفتح الإسلامي لمنطقة المغرب العربي وشمال افريقيا .
ولبسط هذه النقطة وتسليط المزيد من الضوء عليها ؛ يذكر الكثير من الباحثين في تاريخ المنطقة أن الوجود العربي هنا يرجع إلى القرن الهجري الأول ، ويذكر البكري - وهومن أوائل من كتب عن المنطقة - في كتابه القيم : ( المسالك والممالك ) أن بواكير هذا الوجود المستقر تمثلت في بقايا من ذرية الفرقة الأموية التي أرسلت لنشر الإسلام في هذه المناطق ، وتحديدا في أطراف إمبراطورية غانا الوثنية - قد تكون تلك البعثة في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز حسب بعض المصادر- وهذه الإشارة الموثقة من البكري تعززها ، وتدعمها المصادر التاريخية القديمة في المنطقة ، وكذلك تؤكدها الروايات التاريخية المتواترة عند مؤرخي الصحراء وبلاد السودان .
وتضيف بعض المصادر في هذا السياق ؛ الدور المهم الذي قام به أحد أحفاد الفاتح / عقبة بن نافع الفهري في تمهيد طرق القوافل المتجهة جنوبا ، وحفر آبار المياه العذبة على طول طريق القوافل الممتد من بلاد السوس في الجنوب المغربي إلى منطقة شنقيط - في شمال موريتانيا حاليا - ثم الإمتداد جنوبا إلى أودغشت ، وضفاف نهرصنهاجة ( أي نهر السينغال حاليا ) .
وتنوه المصادر التاريخية بأن العرب قد فاقوا غيرهم في المقدرة على الإنسياب ، والتغلغل في الداخل ، وعبور الصحراء الكبرى جنوبا فمثلا - وبالمثال يتضح المقال - لم يتجاوزالرومان - الذين كانوا يحتلون شمال افريقيا قبل الفتح الإسلامي- لم يتجاوز نفوذهم السهل الساحلي الخصيب ، حيث أقاموا خطوطا دفاعية وحصونا منيعة ليحتموا بها من خطر غارات القبائل الأمازيغية الأبية التي كانت تمتعض أشد الإمتعاض ، وتستشيط غيظا وغضبا من وجود المحتل الروماني على أرضها ، فكانت غاراتهم لا تنقطع على حصون وثغور الرومان .
أما العرب فقد استوعبوا أهل البلاد الأول ، ثم توغلوا في العمق الداخلي لمنطقتي شمال وغرب إفريقيا ، بفضل مباديء دينهم الحنيف الذي لاقى قبولا محمودا منذ الوهلة الأولى ، وحماسهم الرائع لنشره بين سائر الأقوام ، والشعوب ، الأمر الذي مكنهم من التعايش ، بل والتفاعل ، والتمازج مع غيرهم من قبائل ، وشعوب المنطقة ، المتعطشة إلى قيم ، ومباديء هذا الدين السمح .
وقد تكون لاحقا من هؤلاء وأؤلئك نسيجا مجتمعيا رائعا ، وجميلا يصعب على غير المتخصص أن يفرق بين لحمته وسندانه ، أي بين الوافدين الجدد ، وأهل المنطقة الأصليين .
وقد استمر تدفق التجار والدعاة والعلماء على منطقة حوضي النيجر والسينغال من مختلف المدن ، الأمصار في الشمال ، ومن الأندلس وخاصة بعد إنهاء الوجود الإسلامي فيه .
واستمر ذلك التحرك جنوبا في يسر وانسياب إلى أن وصلت قبائل عربية بقضها وقضيضها إلى ضفاف نهري النيجر والسينغال في مطلع القرن الخامس عشر الميلادي ....
يتبع ...
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.







