sayedbenalfardy.jeeran.com
"هموم مهمش من بلاد الشمس".. قال تعالى: يآأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبآئل لتعارفوآ إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير..
.
.

مدن حوض نهر النيجر - قَاوَه .. وتِمْبَكْتُو .. وِجنَّــــيْ .. - كنقطة جذب للتجار، والدعاة ، والعلماء العرب ...

من المعلوم تاريخيا أن منطقة  ثنية نهر النيجر كانت في القرون الوسطى في أوج ازدهارها التجاري والاقتصادي ، بسبب ما تمتعت به أنظمتها الحاكمة من استقرار سياسي ، وانفتاح أمام حركة التجارة القادمة من مناطق الجوار إضافة إلى ما حباها المولى عز وجل به من توفر معدن الذهب التبر في أراضيها ورخص ثمنه مقارنة مع المناطق المجاورة ، الأمر الذي شجع التجار والدعاة العرب بعد  فتح بلاد المغرب على التوجه إليها فرافق الكثير منهم القوافل التجارية التي كانت ترتاد المراكز التجارية على ضفاف  نهر النيجر .
 
ولكن في الحقيقة الصلات التجارية بين ضفتي الصحراء قديمة قدم وجود الإنسان في المنطقتين ، حيث تذكر المصادر التاريخية أن قوافل مملكة قرطاجنة كانت تقطع دروب الصحراء منذ القدم ذهابا وإيابا لجلب الذهب .. والعاج .. وريش النعام .. وجوز الكولا ، وغير ذلك من سلع ، وكنوز الجنوب ، مقابل ما تسوقه القوافل القرطاجنية بدورها من سلع الشمال المتمثلة في ؛ المنسوجات القطنية ، والأواني ، والأدوات النحاسية المطروقة ، والأسلحة الحديدية المصنعة في الشمال ؛ سيوف .. وخناجر .. ورماح  .. ودرق حديدية  .. وجلدية .. وكذلك الخيول المسومة وأسرجتها .. وكامل أدوات زينتها .. ثم واسطة عقد هذه السلع المتمثلة في معدن ملح الطعام ، والذي كان أكثر سلعة عليها الطلب في مدن الثنية وحوض النيجر .
 
كانت هذه الحركة التجارية بين ضفتي الصحراء الكبرى منذ فجر التاريخ ... واستمرت في العهد اليوناني .. والروماني .. والفندالي ..  وذكرها المؤرخ الاغريقي الشهير : هيرودوت ، وذكر أن عملية   تبادل السلع  بين الطرفين كانت  تحدث بصورة صامتة ولذلك سماها بـ : ( التجارة الصامتة ) .
 
إلاَ أن الإزدهار الحقيقي للتجارة بين ضفتيْ الصحراء وصل ذروة نموه وازدهاره إبان دخول الإسلام للمنطقتين ، ربما بسبب دخول عامل الدعوة إلى الإسلام - كدافع أول - لارتياد هذه المناطق ، والحماس الشديد الذي تميز به الدعاة الأوائل لنشر مباديء دينهم بين الأقوام الذين لم تصل إليهم رسالة الدين الجديد ، بالاضافة إلى عوامل مساعدة أخرى تمثلت في أمن الطريق .. وتوفر مياه الشرب في الطريق بعد حفر العديد من آبار المياه العذبة على امتداد الطرق الرئيسية للقوافل التجارية المتجهة جنوبا ، بالإضافة إلى الأرباح الطائلة التي كانت تدرها تجارة الجنــــــــوب على تجار الشمال  .
 
كل هذا وغيره ساهم بصورة أو بأخرى في تدفق التجار، والدعاة والعلماء العرب  نحو هذه المراكز التجارية المتخذة كنقاط تبادل تجاري بين ضفتي الصحراء .
 
 وقد شهدت هذه المدن والمراكز ازدهارا ونموا مطردين بسبب ما تقدم ، فأصبحت من أكثر المناطق جذبا لأهل المال والباحثين عن الأرباح المجزية بل وللنخب المثقفة كذلك فكانت هي الحواضن الأولى للثقافة والحضارة العربية الإسلامية الوافدة على بلاد السودان ، وثنية النهر ، وتوطنت ونمت فيها  مختلف مظاهر الحضارة العربية الإسلامية من  أنماط سلوك ، وآليات تعلم وتفكير وأساليب عيش جلبها الوافدون الجدد مع ما جلبوا من سلع وبضائع كانت المناط الأول للتبادل  و الاتصال بين الطرفين.
 
ودون الدخول في تفاصيل أهمية تجارة القوافل بين ضفتي الصحراء ، وكيفية تنظيمها ، وحجم السلع ، والبضائع المتبادلة بين المنطقتين ، وما جلبه هؤلاء الوافدون  الجدد  من آليات سوق جديدة لم تعهدها حواضر وأسواق المنطقة من قبل ؛ كاستخدام عملة معينة لشراء السلع بدلا من إبدال سلعة بسلعة أخرى - كما كان سائدا - وكذلك أدخلوا استخدام نظام الصكوك في التعامل بين التجار ، واستخدام الوثيقة المدونة في البيع والشراء ، وفي حفظ الدين؛ (بائع + مشتري + سلعة + ثمن + شهود ) .
 
 وحتى لا نستطرد كثيرا في تفاصيل كهذه - رغم أهميتها - دعوني أتحدث عن أهمية العنصر البشري ، ودوره في تطوير عملية التفاعل الحضاري ، والثقافي  البناء بين سكان ضفتي الصحراء ، وأهمية الأفكار الجديدة والقيم السمحة التي حملتها القوافل التجارية للمنطقة ، حتى بدت وكأنها نفخت  في المنطقة ومجتمعاتها  روحا جديدة وثابة تتطلع  لمستقبل مشرق ، ومنفتحة على الآخر القادم ، وما أضافه هذا الشريك الحركي الجديد في السوق المفعم بالحيوية والنشاط وروح المبادرة ، ودوره  فيما عرفته المنطقة - لاحقا - من تطور بيين في نظمها السياسية ، والإقتصادية ، وطرق إدارتها للبلاد ، والعباد .
 
  وقد سُجل لحكام هذه الناطق أنهم كانوا يتحلون بقدر كبيرمن  التسامح ، وكانوا يؤمنون في أعرافهم وتقاليدهم المتوارثة بقيم العدل ، والصدق في المعاملة ، وكانوا يقدرون  الوافدين الجدد جم التقدير ، الأمر الذي أتاح للدعاة والتجار الإستقرار بين ظهرانيهم ، وبيع سلعهم وبضائعهم  ، ونشر دينهم الحنيف في طول البلاد وعرضها  في فترة وجيزة ، ودون أي معوق من الإدارة المحلية أومن الأهالي .
 
 ويبدو أنه كان للجاليات العربية القادمة من بلاد المغرب ، والأندلس ، ومنطقة غدامس في غرب ليبيا ، والجالية المصرية الكبيرة ، كان لهم الدور الأكبر  في خلق هذا المناخ الحضاري المتسامح الجميل بين أهل البلاد والجاليات الوافدة عليهم ، والذي أنتقلت  فيه الأفكار والقيم ، والمباديء بين كافة شرائح ، وطبقات المجتمع المحلي  بيسر، وسهولة ، وسلاسة ، وأنسياب .
 
ويتحدث جمع غفير- ممن كتب عن تلك الحقبة - من الكتاب ، والمؤرخين والرحالة العرب ؛ كالبكري ، وابن حوقل ، والإدريسي ، وابن خلدون ، وابن بطوطة ، وحسن الوزان (  ليون الإفريقي )  وغيرهم يتحدثون عن زخم الوجود العربي في اسواق ممالك كلا من : غانا .. ومالي .. والصنغاي ، وذكروا ما كانت تتمتع به هذه الجاليات الوافدة ؛ من علماء وتجار ودعاة لدى أباطرة وملوك هذه الدول من مكانة وتقدير مميزين .
 
فقد وجدوهم  مستشارين .. ومترجمين .. بل ووزراء .. ووعاظ .. وقضاة ، وكتبة  محاضر ورسائل  لحكام وسلاطين البلاد ، الأمر الذي هيأ مكانة مرموقة للدين الإسلامي ، والثقافة العربية الإسلامية في البلاد وفتحها على مصراعيها أمام مؤثرات الحضارية العربية الإسلامية ، فأثمر فيما بعد هذا الإنتشار المذهل للإسلام في كافة أرجاء هذه المناطق .

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.