sayedbenalfardy.jeeran.com
"هموم مهمش من بلاد الشمس".. قال تعالى: يآأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبآئل لتعارفوآ إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير..
.
.

التصوف عنـدنا ؛ النشأة ، والمفهــوم ، و الدور ( 3 ) " إشـــــــــــــراقات صــــــــــــوفية

دعاء: (حزب الإسراء ) 
                       
للشيخ / سيد المختار الكبير الكنتي الفهري
( 1730/1811م )
 
  
بسم الله الرحمن الرحيم
 
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..
 
 ... ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى  المسجد الأقصا الذي باركنا حوله لنريه من ءاياتنآ إنه هو السميع البصير  ..)
 
اللهم حققني بحقائق العبودية تحقيقا تمحو به عني كل حجاب حتى أخلو معك في حضرة قدسك خلوة يخلو بها قلبي من كل شبهة .. ويقع بها ثلج الغيب على نار الهم والإهتمام، والحرص ، والإتهام .. لأكون معك في كل ذلك على ما تريد كما تريد بأن لا أريد تعجيل ما أجلت ، ولا تأجيل ما عجلت ... 
 
اللهم إني أسألك ذل العبودية .. وأسألك بذل العبودية ، عز الربوبية ، فإنه لا مذل لمن أنت ربه ، ولا معز لمن  غيرك حزبه ، قلت ، وقولك الحق ، ووعدك الصدق ، ترغيما لإبليس عدونا ، وتنويها لقدرنا مع غلونا في أمرنا : ( إنَ عبادي ليس لك عليهم سلطان .. )
 
اللهم إني أعوذ بك من الذل إلاً لك .. ومن الخوف إلاً منك .. ومن الرغبة إلاً فيك .. ومن الهيبة إلاً لك .
 
اللهم تولنا بولاية الإكرام وأبسط علينا أيادي الإلهام ، وأكسنا بجلابيب الإنعام ..
 
اللهم اجعلنا من الذين أنعمت عليهم غير غضبان ولا ماكر في جميع ذلك بهم .. فإنه لا  أمان لمكرك .. ولا  يأس من خيرك ..
 
 اللهم أصحبنا في كل ذلك بألطاف لطائف لطفك الخفي .. واتحفنا بالعون منك في كل ما أنت مدخلنا فيه مما لا طاقة لنا بالدخول فيه إلاً بتأييدك ...
 
اللهم واجعل لنا في كل ما نخاف منه العطب مخرجا  يفضي بنا إلى فرج كما جعلت في النار بردا وسلاما لخليلك  . 
اللهم كما غيبته بك عن رؤية الأغيار وقد زج به في المنجنيق إلى النار فغيبنا، وكما أغنيته بك عن  التعرض للدعاء ، والإلتجاء إليك لعلمه بحسن تدبيرك ، ونفوذ أمرك فاغننا عن الوسائل ، والوسائط ، والأسباب ، وعن رؤية الضر من الأعداء ، والنفع من جهة الأحباب ...
 
اللهم إنا قد اضطررنا إلى جدواك ، وما استغنينا قط عن ذاك ، ولكن وقع العيان وذهب التكلان ، وانقطعت العلائق ، وتحققت الحقائق وانقطع الرجاء من غير الخالق ، وخاب الظن فيما سوى الغني الرزاق ..
وقد دعانا وعدك الصادق ، وكتابك الناطق إلى الفرار إليك في السراء ، والضراء .. الإنضواء إليك عند نزول البلاء ، بصادع قولك :
( .. أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء .. ) وقد أييستنا من غيرك ، وما بقي الطمع إلاً في خيرك ، وقد تراكمت علينا ظلمات الهموم بأنواع الرسوم ، في غياهب كثائف النفوس لبقايا تعلقنا بعلائق المحسوس ، وقد غلبنا فناديناك في الظلمات ( ... ) : ( .. أن لا إله إلاً أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ... ) كما دعاك صفيك المعصوم الملتقم المغموم : يونس بن متى-عليه السلام- فاستجبت له ونجيته من غمه ...
اللهم كما استجبت له فاستجب لنا ، وكما نجيته من الغم فنجنا واجعلنا من المؤمنين ، وانبذنا في عراء السلامة ، والتسليم ، وذهاب الغم بحصول المسرة ، والتكريم ..
 
اللهم واسري بروحي إلى حضرة قدسك ومكافحة انسك واشرح صدري  لتحمل أعباء عرفانك ، ونق عن قلبي حتى أعاين عين حسن إحسانك ... ومتع بصيرتي بمحاضرة ملكوت تبصرات حقائق .. دقائق .. رقائق .. ذرات علوم .. علم الغيب  المكنون .. المخزون الذي ( ... ) لم تطلع عليه إلاً من ارتضيته من أنبيائك ... وأوليائك فتسلكه من بين يديه ومن خلفه رصدا ... ثم أوزعني أن اشكر نعمتك التي أنعمت بها علي شكرا استوجب به المزيد منك .. إنك أنت الرب المجيد .. الفعال لما يريد يا ( كهيعص ) يا ( حمعسق ) يا حي .. يا قيوم .. يا ارحم الراحمين ... يا ذا الجلال والإكرام ، أسألك أن تسخر لي أجناس العالم تسخيرا تخرق به العوائد .. وتتزايد به الفوائد .. وتضمحل به العوائق ... وتتلقى به الدقائق إذ لذلك خلقتنا ... وإذ بذلك شرفتنا فقلت : ( .. ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا .. )
 
اللهم كما جعلتنا خلفاء الأرض فاجعلنا رؤساء في السماء ( ... ) واذكرنا في الملأ الأعلى .. وشرفنا بك في  المحل الأجلى .. واجعل بداية ترقينا سدرة المنتهى ... ونهاية تلقينا إلى من أنتهى دون عظمة جلاله كل  منتهى .. ( وإن إلى ربك المنتهى )
 
اللهم اجعل بدايتنا فيك ... ونهايتنا إليك .. وخذ بنواصينا إليك .. وقدنا إلى حضرتك قود الكرام عليك ... وانصرنا ، ولا تنصر علينا .. وظفرنا ، ولا تظفر بنا .. وآثرنا ، ولا تؤثر علينا ... وباسمك الكافي اكفنا .. وأعف عنا .. وعافنا ... وأصحبنا باللطف في سفرنا .. وفي حضرنا .. وكن الخليفة لنا في أهلنا ... وتولنا في حركاتنا ، وسكناتنا ... واعصمنا في إرادتنا ، وخطراتنا ... ونجنا من الشكوك ، والأوهام ، والظنون  بحبل الإعتصام ..: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ..)
 
اللهم إني أعوذ بك من شتات الأمر ، وتفرق الأهواء .. وخيبة الرجاء .. وشماتة الأعداء ... وعضال الداء ، كما استعاذ بك من ذلك نبيك الخاتم - صلى الله عليه وسلم -  المجتهد الحازم ... واحفظني يا حفيظ بحفاظة وقاية .. عناية .. حماية ... منع ... منيع .. سرادقات .. حجب .. حجاب سر ( ... ) قولك القديم .. الكريم .. العميم : ( ... إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون .. )  واكنفني بكنف .. نصر انتصارك .. لحزبك .. وانصارك .. ووجهني .. بوجهة .. وجاهة .. وجه .. تجليات .. جبروت .. ناسوت .. لا هوت قهر قولك الصادع .. المضر النافع : ( .. وإن جندنا لهم الغالبون .. )
وأيدني .. بتأييد .. تمهيد .. تشييد .. تشديد .. تعزيز ..عز قولك الحق : فأيدنا الذين ءامنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين . .. )
( ..... ) ودمر أعداءنا بتدمير تسخير عدلك الناطق بحكم قولك الصادق : ( ..  فأصبحوا لا ترى إلاً مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين .. ) وامدحني بمدحتك لخلاصة خاصتك الذين قلت في حقهم : ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما والذين يقولونا ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما إنها ساءت مستقرا ومقاما.. )
 
واجعلنا اللهم ممن تحيتهم يوم يلقونك سلام ... واجعلنا من المؤمنين الذين    جعلت آخر دعواهم ( أن الحمد لله رب العالمين .. )
 
 واجعلنا اللهم ممن جعلته أهلا لمكافحة خطابك في محكم كتابك إذ قلت لحزبك واحبابك : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما .. ) فها أنا عبدك الضارع .. الذليل .. الخاضع أقول :  
لبيك اللهم ربي وسعديك والخير كله بيديك .. عبدك الضعيف بين يديك .. متعرضا لنفحات فضلك .. معولا في إصلاح حاله عليك .. قائلا أمتثالا لأمرك وأداء لحق رسولك .. محبة في مخاللة خليلك :
اللهم صلي على درة الكون وبهائه.. وشمسه .. وضيائه .. وسلم عليه وعلى آله أتم صلاة وتسليم وأتم تحية وتكريم إنك بكل شيئ عليم ... أ.. هـ

(52) تعليقات

التصوف عندنا ؛ النشأة ، والمفهوم ، و الدور ... ( 2 )

ربما نكتفي بما سبق عن نشأة الحركة الصوفية ، والمفهوم الأصيل لمبادئها التي ، دعت إليها ، وفي هذه العجالة سنحاول المرور بتبسيط  - ارجو ألاَ يكون مخلا - على الدور المشهود الذي قام به هؤلاء الدراويش - كما يحلو للبعض تسميتهم - والكلمة (( تركية )) بمعنى : ( الفقراء ) في نشر الإسلام الحنيف ، وحضارته الراقية في أصقاع مختلفة من العالم .
 
من المعلوم - تاريخيا - أن الإسلام أنتشر في أجزاء كبيرة من بلاد الصين ، وإندونيسيا ، ودول جنوب شرق آسيا ، وكل مناطق ؛ شرق .. ووسط .. وجنوب  إفريقيا ... وكذلك أغلب مناطق إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى إلى نطاق الغابات الإستوائية ، أنتشر الإسلام في كل هذه البقاع بواسطة جهود رجال الحركة الصوفية الذين رافقوا القوافل التجارية  التي كانت ترتاد المراكز التجارية الموجودة في هذه المناطق ، وقد تجاوز هؤلاء مرارا النقاط القصوى للقوافل التجارية ، وتوغلوا إلى عمق الغابات الإفريقية ، والآسيوية .
 
ومن يدرس تاريخ هذه البلاد قبل الإستعمار الغربي يلمس الجهد البناء الذي بذل هناك ... وبالمثال يتضح المقال ، اقرأ ما كتبه الرحالة العرب الأوائل : ( ابن بطوطة .. والبكري .. وحسن الوزان : ليون الإفريقي .. ) وقد زاروا المنطقة واختلطوا بأهلها ، واستضافهم ملوك ، وأباطرة البلاد ، وعايشوا الجالية المسلمة عن قرب ، واقرأ - أيضا إن شئت - ما كتبه المستكشفون الأوروبيون  الذين جالوا في البلاد تمهيدا للإستعمار ( بل الإستخراب ) ، ومسحوا المنطقة بحثا ، واستكشافا ، ورسموا خرائط لطرقاتها ، وسبلها ، ومدنها العامرة ، وكتبوا دراسات مستفيضة عن سكانها والعناصر السكانية المؤثرة فيها وستجد ما يذهلك عن نشاط هؤلاء الدعاة الدراويش - المتجولون - هناك .
 
 ومما سجلته أقلام الأوروبين - على سبيل الإستغراب والدهشة - أنهم وجدوا  اللغة العربية هي اللغة السائدة في هذه البلاد  الإفريقية ، حتى أن إداراتها الرسمية كلها كانت تسيير أمورها بالعربية .
 
ومما يشهد لذلك أن أغلب المعاهدات التي كتبت بين حكام البلاد ، مع المحتل الغربي كانت مكتوبة بالعربية وهي موجودة حتى الآن بعضها في الأرشيف ( المحفوظات ) الفرنسية ، وبعضها في دور الوثائق الوطنية ، وكذلك كان الأمر في شؤون الناس الدينية ، والإجتماعية  ، في كلها كانت العربية حاضرة في صغيرها وكبيرها ، وتشهد على ذلك صيحات التحذير  التي أطلقها بعض المستشرقين الذين اطلعوا على احوال المنطقة :أنه إن لم تسارعوا إلى إحكام السيطرة على القارة الإفريقية فستتحول بعد كذا ( زمن حددوه )) .. إلى قارة مسلمة بالكامل !!!.
 
وفي المجمل لا يستطيع باحث منصف في تاريخ القارة الإفريقية ، ومنطقة جنوب شرق آسيا - الحديث ، والمعاصر - أن يغفل الدور الإيجابي للحركة الصوفية فيهما ؛ ففي افريقيا - مثلا - كان رجالات الصوفية هم محرك ، ومحور الحركات الإصلاحية ، وكانوا الدعامة الحقيقية للجهاد ، ومقاومة الغزاة ، والمحتلين ، ولا يمكن - أبدا - فهم تاريخ افريقيا الحديث بعيدا عن حركات التصوف الجهادية فيها .
 
وخذ على سبيل المثال الأمير/عبد القادر الجزائري في ( الجزائر في القرن التاسع عشر الميلادي ) وما قام به من دور مشهود في مقاومة  الإستعمار الفرنسي في بلاده .. وهو( قادري وكان والده شيخ الطريقة القادرية في منطقته  )
 
وخذ أسد الصحراء الشيخ المجاهد / عمر المختار، ودوره العظيم في حمل لواء المقاومة ، وإذكاء شعلة الجهاد ضد الغزاة الإيطاليين في بلاده بل واستشهاده بأيدي الأعداء مشنوقا في ميدان عام ، وهامته كالطود الأشم تأبى الذل والرضوخ للغزاة الظلمة وأعوانهم من المتخاذلين ،  برغم ما عرض عليه من حلول توفيقية مع العدو فرفضها بلا تردد وأبتها نفسه العظيمة بشموخ وتحدي ( وكان أحد مقدمي الطريقة السنوسية في بلده ليبيا   ) .
 
والشيخ المجاهد/عابدين الكنتي ( قادري ، وهو أحد أحفاد الشيخ / سيد المختار الكنتي الفهري ، شيخ مشايخ القادرية في بلاد السودان ومنطقة الصحراء الكبرى ) وقد قاد الشيخ / عابدين الكنتي الجهاد والمقاومة ضد الغزاة النصارى في أكثر من قطر ؛ فقد جاهد مع الليبيين ضد الإيطاليين ... وجاهد في الجنوب الجزائري  ضد الفرنسيين ... وجاهد في موطنه الأول الذي عرف لاحقا ( بدولة مالي الحالية ) ضد الفرنسيين ،  .. وجاهد كذلك ضد الفرنسيين في المملكة المغربية ، حتى توفي هناك وله ذرية باقية إلى اليوم في المغرب وله أحفاد وذرية باقية عندنا في مالي أيضا  ...  
والشيخ / سيدالأمين بن عابدين الكنتي ، الذي قاتل جنبا إلى جنب مع والده - في أغلب الميادين - ضد الغزاة الأوروبين حتى سقط شهيدا في ميدان معركة العزة والكرامة والجهاد  .
 
والشيخ المجاهد / ماء العينين الشريف القلقمي ، ( وهو ابن شيخ ، وقد أصبح هو أيضا - فيما بعد - شيخا لطريقة قادرية عرفت فيما بعد بالطريقة العينية نسبة إليه ) وهو من المقاومين والمجاهدين العظام الذين قاتلوا على أكثر من جبهة ، فقد حارب الغزاة في بلاد شنقيط .. وفي الصحراء الغربية ( الساقية الحمراء ووادي الذهب ) .. وفي المملكة المغربية .. وكذلك ابنه البطل المجاهد الكبير الهيبة .
 
والشيخ / عمر تال الفوتي المجاهد الكبير ( وهو أحد مشايخ التجانية الكبار )  ..
وساموري توري، الذي أفزع الفرنسيين ، وقض مضاجعهم ، وقاتلهم في أكثر من مكان ...
وسيد محمد الفردي ، ( وهو قادري ، وأحد أحفاد الشيخ سيد المختار الكنتي الفهري ) وابنه / سيد أحمد البكاي الذي تصدى للغزاة الفرنسيين إبان اقتحامهم لمدينة تمبكتو التاريخية ، وأوقع في صفوفهم خسائر فادحة قبل أن تجبره الآلة العسكرية الفرنسية المتطورة على الإنسحاب ، وقد استشهد في الميدان ثلة من رفاقه البواسل ، ومن بينهم ابنه البكر : سيد أحمد البكاي - المذكور آنفا - وقد مثل به الفرنسيون بعد استشهاده على أبواب المدينة دفاعا عنها وقطعوا رأسه عن هامته وعلقوه على مدخل المدينة لعدة أيام عبرة لمن يعتبر .
 
إذن في الختام يمكن القول أن هؤلاء - وغيرهم كثير- كانوا غيضا من فيض، جاهدوا في الله حق جهاده - ولانزكي على الله أحدا - في كل الميادين ؛ في التعليم والتربية ، والتأليف ، وألفوا مئات الآلاف من الكتب في كل حقول العلم والمعرفة ، ويشهد بذلك ما تزخر به مكتبات المنطقة من مخطوطات تجاوز مليونيْ مخطوط فقط في منطقة ثنية نهر النيجر( تمبكتو .. وقاوه .. وجني .. ومنطقة كيدال ) .
 
وجاهدوا في ميدان الإقتصاد والتجارة فقد كانت المنطقة في عهدهم عامرة  والتجارة فيها رائجة .. والناس يعيشون في رغد من العيش والهناء ..
 
وجاهدوا في ميدان الإصلاح الإجتماعي ، والديني ...
وكذلك جاهدوا في الميدان العسكري عندما استدعى الأمر ذلك - كما استعرضنا آنفا - ودخل عليهم الغزاة في ديارهم ..
 
وقد تعمدت إراد الأسماء حتى أعطي فرصة لمن أراد أن يستدرك .. أو يصحح معلومة .. أو يدلي بملاحظة مفيدة للتاريخ .

(14) تعليقات

التصـــــــوف عندنـــــــا ؛ النشأة .. والمفهوم .. و الدور ... (1)

بداية بما أنني لست أهلا للقول الفصل في هذا الموضوع الكبير الذي أقحمت نفسي - الضعيفة - للحديث حوله فإنني استسمحكم عذرا فيما يقصر قلمي عن إعطائه حقه ، وما لم أتمكن من بسطه ، وشرحه كما ينبغي  .
 
البعض يتحدث عن تصوف سلبي ، وتصوف إيجابي ، ولكننا عند تمحيص الحقائق وفرزها نجد أن التصوف الحقيقي كله إيجابي ، ولكن الشيئ الؤكد  أيضا أن كل ما له حقيقة له كذلك ما يعلق به مما يشبهه  ويماثله  .
 
يحلو للكثيرين - اليوم ممن يغمزون ويلمزون في التصوف - عند الحديث عن التصوف الإسلامي أن يخلقوا ربطا بينه ، وبين بعض المعتقدات ، والأديان قبل الإسلام !!!  وهل هناك ما هو قبل الإسلام ؟؟!! ..
في الحقيقة : إن الدين عند الله الإسلام ، فهو الدين الذي تعاقب على حمل رسالته إلى البشرية قاطبة الأنبياء والرسل جميعا - عليهم صلوات الله وسلامه - من لدن آدم - عليه السلام - إلى رسولنا الخاتم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم .
 
وهذا الربط المختلق - لعمري - فيه الكثير من التجني على لب الحقيقة ، وفيه من التعليل ، والتحليل ، والتنظير ما يبعده عن السياق التاريخي المُوثق الذي ولد ، وترعرع في كنفه التصوف ، كمنحى ، ومنهج ، وسلوك تمثل في  طائفة مميزة من العلماء ، والزهاد المسلمين  .
 
والذي تطمئن إليه النفس ، ولا خلاف عليه - عند المحقيقين - أن هذه الظاهرة تبلورت وبرزت بوضوح في القرن الهجري الثاني ، في حواضر الخلافة العباسية ، ومن المعروف - حسب المصادر- أن  في هذه الفترة   اشتد انغماس الناس - عامة ونخبة - في مباهج .. ومتع .. وملذات الحياة ، ولم يسلم من هذا إلاً (من رحم ربي )
وكان الحكام ، والسلاطين ، وحواشيهم ، ومن تمثل بهم كانوا أشد المندفعين في هذا الإتجاه ، حتى بدا أن الإهتمام العام - عند المعنيين - أصبح منصبا فقط على جمع الخراج ، والمكوس ، والضرائب ، والتباهي بمظاهر البذخ ، والإكثارمن اقتناء الجواري ، والقينات في قصور الحكام ، وعلية القوم من التجار ، وذوي اليسار في كل الحواضر الإسلامية .
 
وهذه الحالة من الإنتكاس ، والتراجع المريع عما كانت عليه الأمور في  صدر الدولة الإسلامية ؛ من صفاء .. ونقاء .. ووضوح المعالم .. والأهداف .. والرؤى .. وحركة الجهاد ، والفتوحات المستمرة  ..  حتى في عهد دولة بني أمية ( برغم ما عليها من ملاحظات ) هذه الحالة خلقت أزمة  خانقة في كل المجتمعات الإسلامية على كل المستويات ؛ أزمات  فكرية .. وأزمات  روحية .. وأزمات  اجتماعية ، الأمر الذي جعل البعض من أهل البصيرة النافذة .. وأولي العقول والنهى ، جعلهم يقفون وقفة تأمل .. واستدراك ، وتبصر، ويمعنون النظر فيما آلت إليه أحوال مجتمعاتهم من بعد الشقة بين ما هم عليه ، وما كان عليه صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتابعيهم وتابعي تابعيهم - رضوان الله عليهم - من سلوك ونمط عيش .. وما وصل  عنهم بالتواتر الموثق من زهدهم في متاع الحياة ورغدها ، واعتزالهم للفتن والمؤامرات التي حدثت في  زمنهم ..
 
في هذه الظروف المتأزمة ظهرت حركة التصوف - كما تولد أي حركة من رحم ظروفها ووقتها - بين نفر مميزين من العلماء ، والزهاد ممن غاظهم ، وأحزنهم ما حصل من انتكاسة ، وتراجع عن مبادئ ، وقيم الإسلام العظيم ، وكانوا في الواقع امتدادا  في السلوك ، والمنهج لعصر الصحابة ، والتابعين ، والزهاد منذ  " ابو الحسن البصري " .. و" الجنيد " ..  و" شقيق البلخي "  ثم مولانا الشيخ / عبد القادر الجيلاني ... وحجة الإسلام الإمام / ابوحامد الغزالي  .
  
ويرى العلامة / ابن خلدون - وهو حجة في هذا الموضوع - يرى أن التصوف إسلامي في أصله ، ومبناه ، وأنه مستمد من الكتاب ، والسنة الشريفة ، ويلخصه - ربما في أيامه - في العكوف على العبادة ، والإنقطاع إلى الله تعالى ، وأنه كان يمثل استمرارا لسلوك الصحابة - رضوان الله عليهم - والسلف الصالح ... ثم يذكر ظروف ، وأسباب  بروزالمتصوفة  في  ذلك الزمن   فيقول : 
 
بدا تميزهم عندما كثر الإقبال على مباهج الحياة ، وزينتها في القرن الهجري الثاني .
 
وبالعودة إلى مصادر القوم الأصلية ، ومراجعهم نستطيع أن نتبين الحقيقة من منبعها الأول ، انظر كيف يقدم أحدهم جماعته :
 
التصوف عندنا هو : صفاء المعاملة مع الله - عز وجل - والصدق بالقول والعمل مع النية ، وهو : اجتناب المحرم والتزام الواجب ، والإكثار من النوافل والطاعات..
والتصوف في جوهره : خليط من عدم الرياء .. وعدم العجب بالنفس .. وحب التواضع ( من تواضع لله رفعه )
وهو كذلك : الإحسان  في العبادة (  .. أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك .. )
   وهو: الإحسان إلى الناس ( .. والله يحب المحسنين )
         ويكون ذلك كله في إطار المحافظة على أعمال الشريعة ..
وأهل التصوف الحقيقين - إضافة إلى ماسبق - تحكمهم تقوى الله في السر   والعلانية ..
        والإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار ..
           والرضا عن المولى - عز وجل -  في في القليل والكثير ..
والرجوع إلى الله في السراء والضراء ..
        وهم في خصوصهم اؤلئك الذين صفت نفوسهم وزكت أعمالهم ..
 
وهم الذين انزووا - عندما أشتدت الفتن - في الخلوات للتعبد والصلاة  .. وقراءة القرآن الكريم .. والأذكار المأثورة امتثالا لقوله تعالى :
( .. والذاكرين الله كثيرا والذاكرات .. )
 
وهم الذين يكثرون من النوافل بعد الفرائض والواجبات .. ألتماسا للغاية الكبرى المشار إليها في الحديث القدسي :  ( ... ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه .. ) وهل   هناك  غاية  أعظم .. وأجل .. وأعز عند العبد المسلم من محبة المولى عز وجل .. ؟
 
كل ذلك كان في الزمان والمكان اللذين انغمس فيهما أغلب المسلمين في  حب الدنيا وزخرفها .. ومتاعها .. و مباهجها .. وابتعدوا عن نصرة  الدين .. والجهاد في سبيله ..
 
وهؤلاء النفر ممن عرفوا - لاحقا - بالصوفية هم أيضا الذين أسسوا نظام الربط على تخوم ، وحدود البلاد الإسلامية بقصد التعليم .. والتربية .. والجهاد للدفاع عن بيضة الإسلام عندما عز الجهاد ، وانشغل عنه أولي الأمر بما سبق ذكره ..
فهذه بعض الأسباب المجملة لنشأة التصوف ، وبعض التعريفات المحايدة للتعريف بهذه الحركة التي قادت حياة الناس والمجتمعات المسلمة لبعض الوقت في رقعة واسعة من أرض الإسلام .
..  يتبع .

(9) تعليقات

تابع / الزاوية القــــــــــادرية الكنتيــــة ... ( 2 )

الزاوية القادرية الكنتية في المغرب الأقصى :
 
بالرغم من أن منطلق الزاوية القادرية الكنتية كان في المغرب الأوسط ( الجزائر حاليا ) منذ عهد الشيخ / سيدي عبد الرحمن الثعالبي ، مرورا بالشيخ / سيدي محمد بن عبد الكريم المغيلي ، والذي كان له الفضل الكبير في الإنطلاق بالطريقة في آفاق جديدة شملت الصحراء الكبرى وبلاد السودان ، ابتداء من منطقة توات - في جنوب الجزائر حاليا - إلى إمبراطورية الصنغاي وعاصمتها قاوه في عهد الأسكيا الحاج / محمد توري الكبير ،  إلى بلاد الهاوسا في دولة نيجيريا الفدرالية الحالية .
 
       وعن أسبقية الوجود القادري في المنطقة يقول الباحث المصري . د / عبد الله عبد الرازق إبراهيم ، في كتابه القيم (( أضواء على الطرق الصوفية في القارة الإفريقية )) يقول :
 
" ... كانت الطريقة القادرية أول طريقة منظمة دخلت مراكش (( يعني المملكة المغربية )) من خلال العالم المراكشي المشهور : أبي مدين الغوث منذ 1198 م الذي قابل مؤسس الطريقة الشيخ / عبد القادر الجيلاني في بغداد بعد أداء كل منهما فريضة الحج ... " أ . هـ .
 
 
 إلاً أن الإنطلاقة الثانية للطريقة القادرية في المنطقة عموما كانت بجهود أحد تلامذة الشيخ/ المغيلي وهو : سيدعمر الشيخ الكنتي والذي جاب المنطقة - مرافقا لشيخه المغيلي أولا - طولا وعرضا في رحلات دعوية لا تنقطع قادته إلى المشرق ، والمغرب ، ثم بعد أن تولى مشيخة الطريقة القادرية بعد وفاة شيخه المغيلي انطلق يجوب هذا النطاق الجغرافي الممتد من حوض نهر النيجر وبلاد السودان جنوبا إلى أقصى شمال بلاد المغرب داعيا الناس إلى مباديء الدين الحنيف ، ومربيا الأجيال على مباديء طريقته القادرية البكائية الكنتية ، وظل كذلك حتى توفاه الأجل المحتوم ، وصعدت روحه الطيبة الطاهرة المطمئنة إلى بارئها في واحدة من هذه الرحلات الدعوية بالقرب من ( بلدة آقا ) في الجنوب المغربي .
 
 
 ولا نشك في أنه ظل هناك منذ ذلك الوقت ، بل وقبله وجودا للطريقة القادرية في المغرب الأقصى بدليل النص التاريخي الذي أستشهدنا به أعلاه .
 
 وإلاَّ أن الوجود القادري في بلاد المغرب الأقصى  تعزز ونمى مع مرور الأيام وتلاحق الأحداث ، وتعاظم  بصورة مطردة حتى دخلت الطريقة القادرية الكنتية في القصر الملكي نفسه في عهد الملوك العلويين - الكرام - في القرن التاسع عشر الميلادي .
 
 ويبدو أن ذلك كان بفضل المجهود الدعوي المتميز الذي بذله الشيخ/ سيد المختار الكبير الكنتي الفهري ( 1730 - 1811 م . )  والذي كان عهده الميمون من أزهى العهود التي عرفتها القادرية في المنطقة ، فقد أثمرت جهود الشيخ / سيد المختار أنتشار الزوايا الكنتية في القطر المغربي كله .
 
وذكر المرحوم العلامة / محمد النوني  - طيب الله ثراه -  العديد منها وسنتطرق لبعض منها هنا على سبيل المثال لا الحصر .
 
1-- الزاوية المختارية الكنتية ، في مدينة رباط الفتح ، العاصمة .
ومؤسسها هو : ابن يعقوب/ الحاج محمد الرباطي ، وتوفي هذا الشيخ حوالي 1888م .
 
وكان من أعلام هذه الزاوية المشهورين ، الشيخ الجليل / محمد بن أحمد بن علي الأندلسي ، ثم الرباطي ، وكان من أهل العلم والمعرفة وكانت له دروس علمية يلقيها في الزاوية  وقد أمها الكثيرون من أبناء المغرب .
 
    2  -- والزاوية المختارية الكنتية في مدينة مراكش          وكان من أعلامها الشيخ الفاضل / عبد الخالق بن احمد المراكشي ، وكان هو أيضا من أهل العلم والتربية وكان يلقي في الزاوية دروسا علمية ، وفقهية   اجتذبت الكثير من طلاب العلم والمعرفة في  المنطقة.
 
 
3 -- الزاوية القادرية الكنتية في حي صدراته بمدينة مكناس 
ومؤسسها هو الباشا / عبد الله بن أحماد البخاري السوسي ، وقد سافر الباشا خصيصا إلى تمبكتو حاضرة  إقليم أزواد - شمال مالي - لكي يأخذ ورد الطريقة القادرية الكنتية من الشيخ / سيد المختار الكنتي الصغير وبعد وصوله إلى تمبكتو - حيث مقر الزاوية حينذاك - أخذ الورد القادري الكنتي لنفسه وللسلطان سيدي محمد الرابع ابن مولاي عبد الرحمن  ، كما أخذ الباشا ورد الطريقة - كذلك - لبعض وزراء السلطان مولاي سيدي محمد الرابع  ، ثم قفل راجعا إلى موطنه المغرب .
 
 
 4 --الزاوية القادرية الكنتية في اسطات ،
وقد أسسها الحاج الشيخ / العربي العبدوني الشاوي  واشتهرت الزاوية في عهده بنشر العلم والمعرفة في منطقة الريف المغربي وشمال  القطر عموما وكانت الزاوية في عهده قبلة للطلبة المتعطشين للعلم والعرفة والتربية الروحية الصافية ،
وكان تاريخ وفاة الشيخ / العبدوني - تغمده الله بواسع رحمته وعظيم مغفرته - حوالي  ( 1892 م ) 
 
ومن أهم أعلام الطريقة في المغرب :
 
وربما من تكملة الفائدة ذكر بعض أعلام الطريقة القادرية الكنتية في بلاد المغرب الأقصى ، ونذكر   منهم - تغمدهم الله بواسع رحمته وعظيم مغفرته - :
1 --العالم الجراري : يحي بن عبد الله بن مسعود   البكري ، والتوفي (1844م )
 
2 --والفقيه ابن دحو : محمد بن أحمد الأزموري  المتوفي في  ( 1868م )
 
3 -- والبربوشي : البشير بنعبد الحي الصحراوي دفين        مراكش (1874م )
 
     5 - والعربي الهاشمي العزوزي الزرهوني الفاسي.
 
6 - والشيخ المجاهد /عابدين بن سيدي محمد الكنتي  توفي في الجنوب المغربي بالقرب من  قليميم ( وهو من أحفاد الشيخ / سيد المختار الكنتي الكبير ، وجاء إلى المغرب مجاهدا ثم استقر به الحال بسبب احتلال الفرنسيين لموطنه أزواد )  .
 
7- والشيخ / سيدي بوبكر ابن المجاهد / عابدين الكنتي ( وهو أيضا من أحفاد الشيخ / سيد المختار )    توفي في منطقة أولاد جرار ، في الجنوب المغربي .
 
كانت تلك الثلة من الأعلام الميامين .. والشيوخ المباركين هي من حمل مشعلة الدعوة القادرية الكنتية في منطقة المغرب الأقصى وقد لقيت الطريقة القبول الحسن وأنضم إليها الكثير من الأحباب المربين والمعلمين والمصلحين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين وكان لهم الكثير من الأتباع ، والمريدين  من مختلف شرائح المجتمع المغربي - ملوك .. وأمراء .. ووزراء .. وأهل يسار .. وعلماء .. وفقهاء .. وأدباء .. ومواطنين عاديين - وكانت لهم زوايا - كما بينا - في جهات المغرب الأربع ، وقد سعوا جميعا إلى نشر السلام .. والطمئنينة .. وإشاعة روح التسامح .. والمحبة بين الجميع .. والأمن النفسي  .. والروحي بين الناس .
 
 ... وله تكملة بعون الله ...
 

(16) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية


.
.